تشير البيانات الصادرة عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) إلى تدهور كارثي في الأوضاع الصحية والإنسانية في قطاع غزة، لا سيما فيما يخص صحة الأطفال دون سن الخامسة. وقد حذّرت الأونروا من تضاعف حالات سوء التغذية بين هذه الفئة الهشة خلال الفترة بين شهري مارس ويونيو، وهو ما يعكس مدى التأثير المدمر للحصار الإسرائيلي المستمر، والذي طال القطاعات الأساسية كافة، وعلى رأسها الصحة والتغذية.
غياب العلاج والغذاء
أجرت الأونروا خلال هذه الفترة نحو 74 ألف فحص للأطفال، ما كشف عن أكثر من 5,500 حالة سوء تغذية حاد شامل، إضافة إلى أكثر من 800 حالة سوء تغذية حاد وخيم. هذه الأرقام لا تمثل فقط مؤشرات طبية بل تُترجم مباشرة إلى معاناة إنسانية قد تؤدي إلى وفيات في حال استمرار غياب العلاج والغذاء. وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها الوكالة، والتي تجسدت في معالجة أكثر من 3,500 طفل وتقديم 9 ملايين استشارة صحية منذ بداية الحرب، فإن القدرات التشغيلية للأونروا تتآكل بشكل سريع وخطير.
الصورة التي ترسمها الأونروا عن واقع العمل الميداني في غزة قاتمة، إذ لم يتبقَ سوى ستة مراكز صحية و22 نقطة طبية ثابتة عاملة، إلى جانب 22 نقطة طبية متنقلة، من أصل شبكة أوسع كانت توفر الرعاية الأساسية قبل الحرب. التهديد الأكبر ينبع من أن ما يزيد عن نصف منشآت الأونروا تقع اليوم في مناطق تعتبرها إسرائيل “مناطق عسكرية”، أو أنها خاضعة لأوامر التهجير، ما يعيق وصول العاملين والمساعدات إليها، ويضع حياة الآلاف من المدنيين في خطر دائم.
انتشار الأوبئة والأمراض
ويُفاقم من هذا التدهور النقص الحاد في الإمدادات الطبية، حيث أشارت الوكالة إلى أن 57% من الأدوية والإمدادات الأساسية قد نفدت، بما في ذلك أدوية رئيسية لعلاج الأمراض المزمنة، والالتهابات، والحالات الجلدية، وهو ما يعني أن آلاف المرضى، سواء من الأطفال أو البالغين، يُتركون دون علاج فعال. بل وتحدثت الوكالة بصراحة موجعة حين قالت إن “الأطفال يموتون أمام أعيننا”، وهي عبارة تلخص حجم الأزمة وتجسد عمق المأساة.
إلى جانب أزمة الرعاية الصحية، تعاني الوكالة أيضا من تدهور خطير في البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، حيث لم يتبق سوى بئرين من أصل عشرة كانت تعمل قبل الحرب، وهو ما يهدد بكارثة بيئية وصحية. كما أن انقطاع الوقود يمثل عقبة أساسية في تشغيل هذه المرافق، مما يُعرض مئات الآلاف من النازحين لخطر انتشار الأوبئة والأمراض نتيجة تردي شروط النظافة.
تدمير نسيج المجتمع الفلسطيني
الانهيار الحاصل في شمال غزة بلغ ذروته عندما اضطرت الأونروا قبل شهرين إلى وقف خدمات المياه والصرف الصحي لـ25 ألف نازح بسبب أوامر التهجير الإسرائيلية، ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية لمحاسبة الأطراف التي تخرق المبادئ الإنسانية الدولية وتحرم السكان من الحد الأدنى من مقومات الحياة.
في المجمل، تعكس هذه المعطيات خطورة الوضع في غزة، ليس فقط من حيث الأرقام، بل بما تحمله من دلالات على الانهيار التدريجي لنظام الحياة المدنية تحت وطأة الحصار والتصعيد العسكري. إن استمرار هذا الوضع يهدد ليس فقط الأطفال، بل نسيج المجتمع الفلسطيني بأكمله، ويستلزم تدخلاً عاجلاً من المجتمع الدولي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.





