رغم الجهود الدولية المكثفة، لا تزال المفاوضات حول الصفقة الثالثة للهدنة في قطاع غزة متعثرة، لتُبقي الحرب مشتعلة في يومها الـ650 دون أفق واضح لوقف إطلاق النار، في ظل تضارب التصريحات، وتعاظم الخلافات الجوهرية بين الأطراف المعنية، وتحديدًا إسرائيل وحركة حماس.
كان من المفترض، بحسب تصريحات الرئيس الأمريكي جو بايدن في مطلع يوليو، أن يشهد الأسبوع الأول من الشهر انفراجة ملموسة في ملف التهدئة، خاصة مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن في السابع من الشهر ذاته. إلا أن شيئًا من ذلك لم يتحقق، بل زادت الهوة بين الجانبين، وسط تبادل للاتهامات حول من يعرقل مسار التفاوض.
استهداف المدنيين والبنية التحتية
ميدانيًا، لم تتوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية التي واصلت استهداف المدنيين والبنية التحتية في غزة، في وقت تشهد فيه الساحة تطورًا لافتًا مع تصعيد الضربات في الأراضي السورية، الأمر الذي حوّل بوصلة الاهتمام السياسي والأمني في إسرائيل بعيدًا عن غزة مؤقتًا، دون أن يوقف الحرب الدائرة أو يعجّل في إنضاج صفقة التهدئة.
الناطق العسكري باسم كتائب القسام، أبو عبيدة، كشف عن أن حركة حماس عرضت مرارًا التوصل إلى صفقة شاملة للإفراج عن الأسرى الإسرائيليين دفعة واحدة، إلا أن إسرائيل قابلت هذا الطرح بالرفض، ما دفع الحركة لإعادة تقييم موقفها من الصيغ الجزئية، وهددت بالتخلي عن مقترحات الإفراج المحدود، كصفقة “العشرة أسرى”.
أما جوهر الخلاف الحالي، بحسب الخبراء، فيكمن في نقطتين أساسيتين: الأولى تتعلق بالوجود الإسرائيلي العسكري في مناطق محددة من القطاع، والثانية تتمثل في صيغة تبادل الأسرى. ويقول أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، إن العقبة الكبرى في الفترة الماضية كانت تتعلق بإصرار إسرائيل على الاحتفاظ بوجودها في رفح ومحور موراغ، ما يعني سيطرة مباشرة على ما يقارب 27% من مساحة غزة، إضافة إلى خطوط التماس الحدودية.
تصعيد قادم لا تهدئة
ورغم تقديم إسرائيل مقترحات جديدة عبر وسطاء من القاهرة والدوحة، تشير إلى تقليص هذا الوجود إلى عمق يتراوح بين 1000 إلى 1200 متر على طول الحدود، إلا أن الخلاف حول الملف الجغرافي يبدو أنه لم يُحسم بالكامل، وإن كان قد تم تجاوزه بشكل جزئي.
الملف الأهم الذي يحسم مستقبل الاتفاق، بحسب الرقب، هو عدد الأسرى الفلسطينيين الذين سيُفرج عنهم مقابل الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين. مع وجود قرابة 14 ألف فلسطيني في سجون الاحتلال، تُطرح أرقام كبيرة في المفاوضات، وهي نقطة حساسة للطرفين، تحمل أبعادًا داخلية وأمنية وسياسية.
وفي الوقت الذي يبدي فيه بعض المراقبين تفاؤلًا حذرًا بإمكانية التوصل إلى الصفقة قبل نهاية الشهر الجاري، فإن أصواتًا من داخل غزة، مثل الدكتور أحمد الجبالي، رئيس اللجنة القانونية في رفح، تعكس واقعًا مختلفًا، ينذر بتصعيد قادم لا تهدئة. الجبالي يشير إلى أن إسرائيل، رغم الترويج الإعلامي لاتفاق وشيك، تمضي على الأرض في استراتيجية تقوم على قتل الجائعين، واستخدام الغاز ضد المدنيين المتزاحمين على المساعدات، والتمادي في سياسات القنص والاعتقال.
ترسيم ملامح ما بعد المعركة
ويضيف الجبالي أن ما يحدث من عمليات استهداف متعمدة خلال توزيع المساعدات، ومن شح متعمد في المواد الغذائية، يؤكد أن إسرائيل لا تتهيأ لمرحلة تهدئة بقدر ما تهيئ الساحة لمزيد من السيطرة والبقاء، بما يكشف عن نوايا تتجاوز فكرة الهدنة المؤقتة نحو ترسيخ أمر واقع جديد في غزة.
أمام هذا الواقع، تبدو مفاوضات الهدنة كأنها دائرة مغلقة تُحرّكها حسابات سياسية أكثر من كونها استجابة لحاجات إنسانية ملحّة. فالصراع لم يعد حول وقف الحرب فقط، بل حول من يكتب شروط النهاية، ومن يملك حق ترسيم ملامح ما بعد المعركة. وبين التفاؤلات الأمريكية، والحسابات الإسرائيلية، والمطالب الفلسطينية، يظل قطاع غزة هو الخاسر الأكبر، يرزح تحت القصف والمجاعة، بانتظار صفقة قد تأتي، لكنها حتى الآن لا تزال حبيسة أوراق التفاوض.





