في قطاع غزة، حيث يتقاطع الجوع مع الموت، لم تعد مراكز توزيع المساعدات أماكن للنجاة، بل تحوّلت إلى ما وصفه مدير مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية، بـ”مصايد موت”. ففي مشهد مأساوي جديد، استشهد 21 فلسطينياً، معظمهم من الأطفال وكبار السن، بسبب التدافع الحاد والاختناق في أحد مراكز توزيع المساعدات جنوب خان يونس، وسط اتهامات مباشرة للاحتلال الإسرائيلي والمؤسسة الأميركية المسؤولة عن هذه المساعدات باستخدام وسائل غير إنسانية في إدارة عمليات التوزيع، بل وتحويلها إلى أدوات قتل ميدانية.
معادلة جديدة للموت الجماعي
المشهد لا يعكس فقط انهيار المنظومة الإنسانية في قطاع غزة، بل يكشف كذلك عن معادلة جديدة للموت الجماعي، تضاف إلى سجل الانتهاكات المستمرة منذ اندلاع الحرب. ففي الوقت الذي يُفترض أن تكون المساعدات طوق نجاة، تحولت بفعل الفوضى والضغط وانعدام التنظيم إلى مصدر جديد للرعب. التدافع العشوائي ليس مجرد نتيجة للجوع، بل هو نتيجة لتواطؤ ضمني أو مباشر، يُحكم السيطرة فيه على الحشود بوسائل قمعية، حسب ما أشار إليه أبو سلمية، الذي لفت إلى أن الغاز السام وغاز الفلفل استُخدما سابقاً ضد المدنيين في مشاهد توزيع المساعدات، وهو ما يرقى إلى “الجريمة الكبرى”.
وبعيداً عن الأرقام الدامية، فإن ما جرى يسلّط الضوء على أزمة أكثر تعقيداً تتعلق بالجهة المشرفة على توزيع المساعدات، وهي “مؤسسة غزة الإنسانية”، التي تتعرض لاتهامات متكررة بأنها لا تلتزم بالمعايير الإنسانية، بل تُدار كأداة أمنية وإسرائيلية أكثر منها هيئة إغاثية. الاتهام الذي أطلقه المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، وتدعمه شهادات حية من العاملين في الميدان، يضع علامة استفهام كبرى حول دوافع هذه المؤسسة، التي رافق عملها منذ اللحظة الأولى سلسلة من الحوادث المميتة.
غياب استراتيجية واضحة لتوزيع المساعدات
منذ مايو الماضي، عندما سُمح بدخول المساعدات الأميركية عبر هذه الجهة، باتت صور الجثث المتناثرة في محيط شاحنات الغذاء مشهداً اعتيادياً. سقط المئات من المجوعين عند نقاط التوزيع المختلفة، تحت القصف أحياناً، وتحت الطائرات المسيرة في أحيان أخرى، أو بسبب سوء التنظيم والتزاحم القاتل، ما يشير إلى أن غياب استراتيجية واضحة لتوزيع المساعدات في بيئة حرب محاصرة، يوازي في نتائجه القصف العسكري المباشر.
البيان الصادر عن أبو سلمية يعكس قلقاً حقيقياً من تفاقم الكارثة، ليس فقط بسبب استمرار الحرب، بل بسبب التواطؤ الإغاثي أو فشله. دعوته إلى الإغلاق الفوري لمراكز التوزيع بهذه الآلية العشوائية ليست مجرد إجراء وقائي، بل صرخة أخيرة في وجه سياسة يبدو أنها تُدار إما بتهور أو بتعمّد لتقويض ما تبقى من مقاومة السكان. فالطعام الذي يفترض أن يُقدَّم كمنحة للنجاة، بات وسيلة أخرى للقتل، ما يجعل من المساعدات “سلاحاً غير تقليدي” في يد الاحتلال، يتم تفعيله تحت غطاء إنساني هشّ.
من جهة أخرى، فإن المنظمات الدولية، وعلى رأسها وكالة “أونروا” وأطباء بلا حدود، بدأت تدق ناقوس الخطر، داعية إلى إعادة النظر في منهجية التوزيع ومصادر هذه المساعدات، في وقت تتقلص فيه القدرة الطبية على احتواء آثار هذه الكوارث اليومية. فالمستشفيات الغزّية، وعلى رأسها مجمع الشفاء، باتت على شفا الانهيار، لا لعدم توفر الأدوية فقط، بل لأن الموت أصبح يتدفق إليها من خطوط إغاثية مزعومة.
سياسة ممنهجة لتفتيت المجتمع
ما يحدث اليوم في غزة، يكشف تحولاً خطيراً في طبيعة الكارثة: من موت مباشر بفعل القصف، إلى موت بطئ ومحسوب عبر أدوات المساعدات. وبينما تستمر الحرب في الخلفية، يتضاعف القتل في المقدمة بأساليب غير مرئية، تدّعي الإنسانية، وتمارس الخنق، حرفياً ومجازياً. هذه ليست مجرد فوضى توزيع، بل هي سياسة ممنهجة لتفتيت المجتمع تحت راية الجوع، وتدفيع الفلسطينيين ثمن بقائهم حتى على موائد الإغاثة.
وفي ظل هذه المعطيات، لم يعد الحديث عن “مأساة إنسانية” يفي بالغرض، بل نحن أمام نموذج جديد لحصار متعدد الأوجه: عسكري، اقتصادي، ونفسي، تقوده إسرائيل وتنفذه أذرع مؤسساتية تتخفّى خلف شعارات الإغاثة. والمفارقة الأشدّ أن من لا يُقتل بالصواريخ، يُقتل اليوم بكيس دقيق.





