في خضم التصعيد الإقليمي غير المسبوق بين إيران وإسرائيل، اختارت حركة “حماس” أن تصدر موقفًا سياسيًا يدين التهديدات الأميركية لطهران ويعبّر عن تضامنها الكامل مع الجمهورية الإسلامية. بيان الحركة جاء بلغة حادة ضد واشنطن وتل أبيب، محذّرًا من مغبّة أي تدخل عسكري أميركي، ومُصوّرًا إيران كضحية “عربدة صهيونية” تحتاج إلى إسناد ودعم عربي وإسلامي موحد. إلا أن هذا الخطاب، في توقيته ومضمونه، يكشف عن مفارقة فادحة بين ما تقوله الحركة وما تعيشه غزة من دمار، وبين صورة التماسك التي تحاول تصديرها مقابل مسؤولياتها الواقعية كسلطة أمر واقع في القطاع.
الحركة تظهر نفسها كفاعل إقليمي
فمنذ أكثر من ثمانية أشهر، يقبع قطاع غزة تحت آلة عسكرية إسرائيلية فتّاكة، دمّرت بنيته التحتية، ومزّقت نسيجه الاجتماعي، وخلّفت مئات الآلاف من القتلى والمصابين والنازحين، دون أي أفق لإنهاء المأساة أو تخفيفها. وفي الوقت الذي يتعاظم فيه الثمن الإنساني يومًا بعد يوم، وتتهاوى فيه المقومات الأساسية للحياة في القطاع، لا تزال “حماس” منشغلة في سباق البيانات والتصريحات الإقليمية، محاولة إظهار نفسها كفاعل إقليمي مؤثر، بينما تكاد تفقد السيطرة على الواقع اليومي داخل قطاع غزة، حيث تتآكل قدرتها الخدمية والإدارية، وحيث بات الناس يحمّلونها مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة عن التبعات الكارثية للصراع.
بيان “حماس” لم يتطرق بأي شكل إلى معاناة سكان غزة، ولا إلى تداعيات تدخلها العسكري في 7 أكتوبر وما جلبه من ويلات على القطاع. كذلك، تجاهلت الحركة ما يعانيه الأهالي من الجوع، والأوبئة، وانهيار النظام الصحي، وتحوّل المدارس إلى ملاجئ، والشوارع إلى مقابر جماعية.
الحركة تستغل الحروب الإقليمية
في المقابل، حاولت الحركة أن توظّف الحرب بين إيران وإسرائيل، وأن تعيد تموضعها كلاعب في محور “الممانعة”، مستفيدة من انشغال العالم بالحرب الكبرى التي تدور رحاها بعيدًا عن غزة، ومُغفِلة في الوقت ذاته الدور الإيراني في تغذية الصراع دون تقديم أي حماية حقيقية للمدنيين أو دعم إغاثي ملموس.
المفارقة الأشد أن الحركة التي ترفع شعار الدفاع عن الشعوب المستضعفة، تحوّلت إلى طرف يستثمر في الحروب الإقليمية لتلميع صورته، دون مراجعة لخياراته التي أفضت إلى عزل غزة أكثر من أي وقت مضى، وتقييد العمل السياسي الفلسطيني، وإعادة تصنيف القضية الفلسطينية من صراع تحرري عادل إلى أزمة متداخلة في محاور إقليمية متناحرة.
غزة تفتقد أبسط مقومات الكرامة الإنسانية
محاولة “حماس” ركوب موجة التصعيد الإيراني قد تعطيها نقاطًا إعلامية أو سياسية مؤقتة، لكنها في الواقع تعمّق أزمة تمثيلها الشعبي، وتكشف ضحالة قراءتها للتحولات الدولية والإقليمية، وتضعها مرة أخرى في موضع من يتهرب من مسؤولياته الوطنية، ويقدّم خطابًا تضامنيا يفتقد لأي شرعية داخلية أو استراتيجية واقعية. ففي الوقت الذي يتحدث فيه قادة الحركة عن سيادة إيران وحقها في الدفاع، فإن قطاع غزة الذي تسيطر عليه الحركة يفتقر إلى أبسط مقومات السيادة والكرامة الإنسانية.






