يعيش قطاع غزة عزلة تكنولوجية خانقة بفعل الحرب والدمار الواسع الذي طال البنية التحتية للاتصالات، ما عمّق الفجوة الرقمية بين شطري الوطن بشكل غير مسبوق. وتكشف المعطيات الرسمية الصادرة بمناسبة اليوم العالمي للاتصالات عن مشهد متناقض.
بينما تشهد الضفة الغربية، طفرة في استخدام الألياف الضوئية والهواتف الذكية، يواجه سكان غزة انهياراً شبه كامل في خدمات الاتصالات والإنترنت، وسط انقطاعات متواصلة ومخاطر تهدد حياة المواطنين أثناء محاولاتهم الوصول إلى الشبكة، حيث يعكس هذا الواقع حجم التأثير الذي خلّفته الحرب على مختلف مناحي الحياة في القطاع، حيث تحوّل الاتصال بالعالم الخارجي من خدمة أساسية إلى معركة يومية ترتبط بالصمود الإنساني وعمليات الإغاثة والبقاء.
انهيار غير مسبوق عزل السكان عن العالم
ويوافق 17 مايو/ أيار من كل عام “اليوم العالمي للاتصالات وجمع المعلومات”، ويهدف هذا اليوم لتسليط الضوء على أهمية التكنولوجيا الرقمية وسد الفجوة الرقمية عالمياً، وهو مناسبة تحتفي بها الأمم المتحدة ودول العالم، حيث تكشف معطيات مشتركة للجهاز المركزي للإحصاء، ووزارة الاتصالات، وهيئة تنظيم قطاع الاتصالات، اليوم الأحد، فجوة حادة بين واقعين رقميين في فلسطين، بمناسبة اليوم العالمي للاتصالات؛ والذي يُصادف اليوم.
وفي الوقت الذي تقفز فيه الضفة الغربية نحو البنية الرقمية الحديثة، يعيش قطاع غزة انهياراً غير مسبوق عزل السكان عن العالم. حيث وصل عدد مشتركي الإنترنت عبر تقنية الألياف الضوئية (FTTH) في فلسطين إلى 327 ألف مشترك خلال عام 2025، بزيادة بلغت 27% مقارنة بعام 2024. وتراجع الاعتماد تدريجياً على الشبكات النحاسية التقليدية (DSL) لصالح الشبكات الأسرع، فيما بلغت نسبة امتلاك الأفراد (10 سنوات فأكثر) للهواتف الذكية في الضفة الغربية 86% وفقاً لبيانات الربع الأول من عام 2026.
أرقام تكشف حجم الأزمة الرقمية
وحسب بيان الإحصاء، سجل نشاط المعلومات والاتصالات في غزة انهياراً حاداً بنسبة 88% في قيمته المضافة؛ حيث هبطت من 13 مليون دولار عام 2023 إلى 1.6 مليون دولار فقط عام 2025 (في حين بلغت بالضفة 410 ملايين دولار). وتراجعت نسبة امتلاك الهواتف الذكية بغزة بشكل حاد من 58% عشية العدوان عام 2023، إلى 35% فقط في أواخر عام 2025.
وأظهر مسح أُجري نهاية عام 2025 أن 29% من سكان غزة محرومون تماماً من الإنترنت، بينما يتصل به 60% بشكل متقطع، و11% فقط بشكل دائم. ورصد المسح الإحصائي الصعوبات البالغة والمخاطر التي يواجهها المواطنون في قطاع غزة للوصول إلى شبكة الإنترنت، فإن 98% يشكون من ضعف التغطية، و97% يعانون من انقطاعات مستمرة في الشبكة.
كما أشار الإحصاء إلى أن 77% من الغزيين أفادوا بتوقف خدمات الهاتف النقال أو ضعفها الشديد، بينما73% من الأفراد أكدوا تعرضهم للخطر الفعلي والمباشر أثناء محاولتهم الوصول للإنترنت. كما تم تشغيل 12 نقطة طوارئ بغزة لتعزيز استمرارية الشبكات، وتحديث بيانات 94 موقعاً للاتصالات لإدارة الأعطال، كما تم تزويد 8 مراكز إيواء بخدمات الإنترنت المجاني لتمكين النازحين من التواصل وتلقي الخدمات الإغاثية.
الموصولية الرقمية واستمرار الاتصال – وفقا للبيان – لم يعودا مجرد خيار رفاهية، بل هما حق أساسي للصمود والبقاء، وركيزة لا غنى عنها لتسيير عمليات الإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار. حيث تشير البيانات الحديثة في نيسان/ أبريل المنصرم 2026 إلى استقرار نسبة تغطية شبكة الهاتف المحمول في “منطقة وسط غزة” عند 96%، مع وجود تفاوت جغرافي حاد وصعب بين باقي المحافظات جراء تدمير البنية التحتية وتغير خريطة التركز السكاني.
سياسة منهجية لحجب غزة عن العالم
وكان المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، قد حذر، من “خطر وشيك” لانقطاع كامل في شبكات الاتصالات والإنترنت في قطاع غزة بفعل الاستهداف المتعمد والمتكرر من جيش الاحتلال للأبراج السكنية والبنايات العالية في مدينة غزة. وبين أن شبكة الاتصالات والإنترنت “تواجه خطر الانهيار الكامل؛ بفعل التعطل المتوقع لمحطات التشغيل نتيجة شح إمدادات الوقود، في إطار سياسة إسرائيلية ممنهجة تقوم على قطع شرايين الحياة عن غزة”.
وأفاد المرصد الأورومتوسطي بأن جيش الاحتلال قطع الاتصالات والإنترنت كليًا أكثر من 12 مرة خلال نحو 23 شهرًا، في إطار سياسة منهجية تهدف إلى حجب غزة عن العالم وتعطيل جهود الاستجابة الإنسانية. ومنذ بداية عدوان الاحتلال على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، انقطعت خدمات الاتصالات والإنترنت عدة مرات عن القطاع أو مناطق واسعة منه، جراء القصف الإسرائيلي المكثف، أو بسبب نفاد الوقود المستخدم بتشغيل المولدات الكهربائية.




