في قطاع غزة، لم يعد المرض وحده هو الخطر الأكبر على حياة آلاف المرضى، بل أصبح الانتظار نفسه جزءًا من المعاناة اليومية ومسارًا مفتوحًا نحو الموت المحتمل، حيث شكّل معبر رفح لسنوات بوابة الأمل الأخيرة للجرحى والمرضى الباحثين عن العلاج خارج القطاع، بات اليوم محطة انتظار طويلة تتكدس فيها أسماء المرضى على قوائم الإجلاء، بينما تتسارع وتيرة التدهور الصحي داخل مستشفيات تعاني انهيارًا غير مسبوق في الإمكانيات والأدوية والأجهزة الطبية.
مأساة الشاب لؤي على قوائم الانتظار
بين الحياة والموت، يعيش الشاب لؤي تنيرة 23 عامًا، المصاب بسرطان الكبد، على قوائم الانتظار، في سباق غير متكافئ بين المرض والوقت، حيث تتقدم الخلايا السرطانية في جسده بسرعة أكبر من أي قرار يسمح له بمغادرة القطاع لتلقي العلاج “لا يتوفر أي علاج متخصص لحالة ابنهم، فيما تراجعت القدرة على إجراء حتى الفحوصات المخبرية الدورية التي كان يعتمد عليها الأطباء لمتابعة تطور المرض، ما جعل تقييم وضعه الصحي أكثر صعوبة وتعقيدًا، وترك حالته عرضة للتدهور المستمر دون تدخل علاجي فعّال”. حسب تصريحات عائلته لوكالة شهاب.
العجز الدوائي في مخازن الوزارة وصل إلى نحو 50%، فيما تجاوز نقص المستهلكات الطبية 60%، موضحًا أن معظم ما يتم إدخاله إلى القطاع يقتصر على محاليل وأدوية أساسية لا تلبي احتياجات العمليات الجراحية المعقدة أو الأمراض المزمنة والمستعصية، حسب تصريحات مدير عام الصيدلة في وزارة الصحة، ذكري أبو قمر لوكالة شهاب.
أدوية حيوية لمرضى السرطان والسكري والضغط والثلاسيميا – حسب أبو قمر – ما زالت تعاني من نقص حاد أو منع متكرر من الدخول، إلى جانب استمرار القيود على أدوية التخدير والعلاجات التخصصية، ما يفاقم من صعوبة إجراء التدخلات الطبية داخل المستشفيات.
قيود الحركة على معبر رفح تفاقم معاناة المرضى
وأشار إلى أن القيود المفروضة على تخزين الأدوية الحساسة تؤدي في كثير من الحالات إلى تلفها أو تأخر استخدامها، ما ينعكس مباشرة على المرضى الذين ينتظرون العلاج. ويمتد النقص ليشمل المستلزمات الجراحية الأساسية مثل الشاش والحقن والمواد الطبية الحيوية، إضافة إلى تعطل قطع غيار الأجهزة والمولدات الكهربائية، وهو ما تسبب في توقف أو تعطّل عدد من الفحوصات المخبرية نتيجة نفاد المواد الكيميائية اللازمة للتحليل، الأمر الذي يحد من قدرة الأطباء على تشخيص الحالات الحرجة بدقة وفي الوقت المناسب.
وخلال الأسبوع الأخير من شهر مايو/أيار 2026، عكست حركة العبور عبر معبر رفح هذا الواقع المحدود، إذ بلغ عدد المسافرين 428 مسافرًا، مقابل 255 قادمًا إلى قطاع غزة، في مؤشرات تعكس استمرار الحركة الإنسانية لكن بوتيرة مقيدة مقارنة بحجم الاحتياج، في حين لا يزال أكثر من 21,500 مريض بحاجة ماسة للعلاج خارج القطاع.
ورغم استمرار عمليات سفر المواطنين، فإن حركة الإجلاء الطبي ما زالت محدودة مقارنة بحجم الطلب المتراكم، حيث تُجرى عمليات النقل ضمن دفعات متفرقة وبأعداد صغيرة، ما يفاقم الفجوة بين الاحتياج الفعلي والقدرة التشغيلية للمعبر، رغم استمرار حالة التهدئة. وتشير المعطيات إلى أن آلية الإجلاء التي تمر بسلسلة طويلة من الإجراءات والموافقات التنسيقية والأمنية، وهو ما يطيل زمن الانتظار ويجعل الحالات المرضية عرضة للتدهور الصحي والموت المحتمل على قوائم التحويل والانتظار.
أرقام صادمة للمرضى
نقص الأدوية أدى بشكل مباشر إلى وفاة نحو 100 مريض داخل المستشفيات، مشيرًا إلى أن أكثر من 21 ألف مريض ما زالوا على قوائم الانتظار للتحويلات الطبية إلى الخارج، في ظل قيود مشددة على حركة السفر. فضلا عن أن الالتزامات التي نصّت على خروج ما يقارب 50 مريضًا يوميًا لم تُنفذ فعليًا، حيث لم يتجاوز المعدل اليومي في بعض الفترات نحو 11 مريضًا فقط، ما أدى إلى وفاة 1581 مريضًا كانوا بحاجة عاجلة للعلاج خارج القطاع، لكنهم فقدوا فرصتهم بسبب تأخر الإجلاء. حسب تصريحات مدير المعلومات في وزارة الصحة زاهر الوحيدي لوكالة شهاب.
وتشير بيانات طبية إلى تراجع حاد في أعداد مرضى غسيل الكلى، إذ انخفض عددهم من نحو 1100 مريض قبل الحرب إلى 670 مريضًا حاليًا، في مؤشر يعكس حجم الفقد البشري الناتج عن نقص العلاج أو تعذر الوصول إلى الخدمات الطبية. وعلى صعيد البنية التحتية، يؤكد وكيل وزارة الصحة ماهر شامية أن الحرب أدت إلى خروج 18 مستشفى من أصل 38 عن الخدمة بشكل كامل، فيما تعمل بقية المرافق بشكل جزئي محدود، وسط اكتظاظ شديد ونقص في الأسرة الطبية.




