لم يعد الشيب في الشعر أو اللحية علامة ترتبط بكبار السن وحدهم في قطاع غزة، إذ باتت ملامح الشعر الأبيض تظهر بشكل لافت بين شباب في العشرينيات والثلاثينيات، في مشهد يعكس تحولات نفسية وجسدية عميقة فرضتها سنوات الحرب والضغوط المستمرة.
في الشوارع ومراكز الإيواء والجامعات، يختلط العمر الحقيقي بالملامح التي تقدمت قبل أوانها، وسط تفسيرات تربط هذه الظاهرة بالتوتر النفسي الحاد وفقدان الأحبة وتكرار النزوح، في ظل ظروف معيشية وإنسانية قاسية يعيشها السكان منذ سنوات.
ضغوط نفسية هائلة
ويربط كثير من الشباب هذه الظاهرة بالضغوط النفسية الهائلة التي عاشها سكان القطاع خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما في ظل حرب الإبادة المستمرة، وفقدان الأحبة، والنزوح المتكرر، والقلق الدائم بشأن المستقبل.
“قبل الحرب لم يكن في رأسي أي شعر أبيض، لكن خلال الأشهر الأخيرة فوجئت بانتشار الشيب في مقدمة الرأس واللحية بشكل واضح، عندما أنظر إلى صوري القديمة أشعر وكأنني كبرت عشر سنوات دفعة واحدة”. حسب تصريحات الشاب محمد أبو العبد 27 عاما للمركز الفلسطيني للإعلام.
وأضاف أنه عاش فترات طويلة من الخوف والسهر والقلق على عائلته خلال الحرب على قطاع غزة، وفقد عددا من الأقارب والأصدقاء، معتقدا أن كل ذلك انعكس على صحته وشكله الخارجي، ومن أبرز ملامحه ظهور الشيب.
شباب غزة: شعرنا شاب من الهموم
أما أبو كريم 31 عاما، فيؤكد أن أصدقاءه باتوا يعلقون باستمرار على التغير الواضح في لون شعره، معبرا عن دهشته من وصوله إلى هذه المرحلة بهذا العمر. مشيرًا إلى أنه خلال أشهر قليلة ظهرت خصلات بيضاء كثيرة في شعر رأسه ولحيته، متهماً الضغوط النفسية التي عاشها ولا يزال يعيشها يوميا المسؤولية عن ذلك.
أما محمود أحمد 24 عاما، فبين أنه لاحظ ظهور الشيب بشكل متسارع بعد النزوح أكثر من مرة، وفقدان عمله ومصدر رزقه. واعتقد محمود في البداية أنه أمر وراثي، لكنني اكتشفت أن كثيرا من أصدقائي الذين هم في نفس عمري يعانون المشكلة نفسها.
وبلغة ساخرة يقول لمراسل “المركز الفلسطيني للإعلام”: “أصبحنا نحن الشباب نسخر من بعضنا ليل نهار، ويعير الأقل شيبا الأكثر ظهورا للشيب، بات الأمر نكتة نتداولها في كل وقت نتجمع فيه. لم نعد ننظر إلى الشيب بوصفه مجرد علامة تقدم في العمر، بل بات بالنسبة لهنا أثرا مرئيا لما عشناه من أحداث صادمة وضغوط مستمرة وحرب إبادة لا زالت مستمرة”.
ماذا يقول العالم في ظهر الشيب على الشباب؟
ويشير اختصاصيون نفسيون إلى أن التعرض المستمر للصدمات النفسية والحزن والقلق المزمن يؤثر في مختلف أجهزة الجسم، وقد تظهر آثاره على الجلد والشعر والنوم والمناعة والصحة العامة.
وتكشف دراسات علمية حديثة إلى وجود علاقة بين التوتر النفسي الحاد وظهور الشيب المبكر، فقد أظهرت أبحاث مدعومة من المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة أن الضغوط النفسية الشديدة يمكن أن تؤثر على الخلايا الجذعية المسؤولة عن إنتاج صبغة الشعر داخل البصيلات، ما يؤدي إلى فقدان اللون الطبيعي للشعر وظهور الشيب بشكل مبكر.
كما تربط دراسات أخرى بين الشيب المبكر وعوامل متعددة، منها الاستعداد الوراثي، ونقص بعض العناصر الغذائية مثل الحديد وفيتامين B12، إضافة إلى الضغوط النفسية المزمنة واضطرابات الصحة النفسية.
وتوضح الأبحاث أن الإجهاد النفسي المستمر قد يرفع من نشاط الجهاز العصبي المسؤول عن استجابة “الكر أو الفر”، ما يؤدي إلى استنزاف الخلايا المنتجة للصبغة داخل بصيلات الشعر بصورة أسرع من المعتاد.
تدهور واسع في الصحة النفسية
ومن المعلوم طبياً أن الشيب يظهر تدريجيا مع التقدم في العمر في الظروف الطبيعية، لكن ظهوره مبكرا يأتي نتيجة تداخل عدة عوامل، أهمها الضغوط النفسية الشديدة، وسوء التغذية، ونقص الفيتامينات والمعادن، إضافة إلى العامل الوراثي.
ورغم أن العلماء يؤكدون أن العامل الوراثي يظل أحد أهم أسباب الشيب المبكر، فإن الظروف الاستثنائية التي يعيشها سكان غزة دفعت كثيرا من الشباب للاعتقاد بأن الحرب تركت بصمتها الواضحة على ملامحهم قبل أوانها.
ورغم عدم وجود إحصاءات رسمية حول ظاهرة الشيب المبكر بين شباب غزة، فإن تقارير أممية متخصصة وثقت تدهورا واسعًا في الصحة النفسية للسكان نتيجة الحرب والضغوط المزمنة، وهو ما يؤكد ما خلصت إليه دراسات علمية دولية عن وجود علاقة بين التوتر النفسي الحاد وفقدان صبغة الشعر وظهور الشيب المبكر.






