في أول اتصال لها مع القيادة الفلسطينية منذ تسلمها منصبها قبل أيام، أجرت وزيرة الخارجية البريطانية الجديدة إيفيت كوبر مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور محمد مصطفى، شكلت خطوة ذات دلالات سياسية عميقة في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة والتصعيد المتواصل في الضفة الغربية. لم يكن الاتصال مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل جاء محملاً برسائل واضحة تؤكد رغبة لندن في الانخراط النشط بالملف الفلسطيني، ومحاولة بلورة مسار سياسي جديد يخرج المنطقة من دوامة العنف المستمرة منذ أكثر من سبعمئة يوم.
إعادة طرح حل الدولتين
يبرز هذا التواصل في توقيته كعامل مهم، إذ يتزامن مع التحضيرات للمؤتمر الدولي المرتقب في نيويورك، وهو الحدث الذي تراهن عليه السلطة الفلسطينية من أجل إعادة طرح حل الدولتين على الطاولة الدولية، بعد أن تبنته الأمم المتحدة في مؤتمرها أواخر يوليو/تموز الماضي بوصفه الإطار الأوسع لتسوية شاملة. الاتصال الهاتفي بين مصطفى وكوبر يعكس مساعي السلطة لاستثمار أي تحرك دولي لإحياء هذا المسار، خاصة مع انفتاح بعض الدول الأوروبية على فكرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، في ظل غياب أفق سياسي تفرضه الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو.
ومن ناحية أخرى، تطرق الحديث إلى قضية إدارة شؤون قطاع غزة ما بعد وقف الحرب، وهو ملف بالغ الحساسية تسعى السلطة الفلسطينية لتأكيد دورها فيه باعتبارها الجهة الشرعية والقادرة على تأمين الحد الأدنى من الاستقرار الإداري والاقتصادي. هذا البعد يوضح أن رام الله تتحرك بوعي لإعادة وضع نفسها في قلب المعادلة الغزاوية، مستفيدة من رغبة بعض الأطراف الدولية في رؤية بديل مدني فلسطيني عن الفوضى التي خلفها العدوان والحصار.
في المقابل، حملت كوبر رسائل لا تقل أهمية، أبرزها التأكيد على الشراكة الاستراتيجية بين بريطانيا وفلسطين، واهتمام لندن بدعم وقف الحرب وإدخال المساعدات، إضافة إلى التزامها بدفع جهود الاعتراف الدولي بدولة فلسطينية مستقلة. هذه المواقف – وإن بدت للوهلة الأولى تقليدية – فإنها في السياق الحالي تعكس ميلاً أوروبياً متزايداً لانتقاد السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما في ذلك الضم والاستيطان وحجز أموال المقاصة، وهي ملفات تشكل عبئاً يومياً على السلطة وتزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي للفلسطينيين.
تحرك أوسع للسلطة الفلسطينية
الاتصال إذن لم يكن مجرد مجاملة دبلوماسية بين مسؤولين، بل يمثل جزءاً من تحرك أوسع للسلطة الفلسطينية لتدويل أزمتها من جديد، والبحث عن حلفاء قادرين على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل، خصوصاً مع تراجع الدور الأميركي الذي ظل تاريخياً يحتكر إدارة الصراع. كما أن اختيار وزيرة الخارجية البريطانية الجديدة لهذا الملف في بداية عملها يعكس إدراكاً أوروبياً بأن الحرب في غزة لم تعد مجرد مسألة فلسطينية–إسرائيلية، بل باتت تهدد استقرار المنطقة برمتها وتؤثر على صورة الغرب نفسه في العالم.
بهذا المعنى، يشير الاتصال الهاتفي إلى بداية مسار جديد تحاول فيه السلطة الفلسطينية تثبيت حضورها على الساحة الدولية، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى مواجهة السياسات الإسرائيلية على الأرض، سواء في غزة أو الضفة الغربية. وهو ما يجعل من كل تحرك دبلوماسي أداة مقاومة سياسية بحد ذاتها، في وقت تتعرض فيه الأرض الفلسطينية لأوسع عدوان عسكري واستيطاني منذ عقود.






