بعد نحو ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، لا تبدو غزة أمام أزمة إنسانية فحسب، بل أمام انهيار اقتصادي واسع قد يحتاج سنوات طويلة للتعافي. وبينما تتعثر المساعي السياسية لإنهاء الحرب، تتسع فاتورة الدمار، وتزداد صعوبة الحديث عن إعادة إعمار القطاع في غياب تسوية تحدد مستقبله السياسي والأمني.
في نيويورك، تصدرت الحرب على غزة مجدداً أجندة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسط انتقادات دولية متزايدة للسياسة الإسرائيلية في القطاع.
وفي كلمته الخميس 24 سبتمبر/أيلول، رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاتهامات الموجهة إلى إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة، ووصفها بأنها “أكبر كذبة في القرن”، مهاجماً ما اعتبره تشويهاً للحقائق وقلباً للأدوار بين الضحية والمعتدي.
لكن بعيداً عن المنصة السياسية في نيويورك، ترسم البيانات الاقتصادية صورة مختلفة: قطاع سكني تعرض لأضرار هائلة، ومؤسسات اقتصادية دُمرت، ونشاط صناعي وزراعي انهار، وسوق عمل فقد معظم قدرته على استيعاب السكان.
وفي أحدث تقديراتها، تقول الأونكتاد إن الاقتصاد الفلسطيني يواجه واحدة من أكثر أزماته عمقاً منذ عقود، بينما تبدو غزة الأكثر تضرراً.
من فقر يطال ثلثي السكان إلى أزمة تشمل الجميع
قبل الحرب، كان نحو اثنين من كل ثلاثة من سكان غزة يعيشون في الفقر.
أما اليوم، فتقول الأونكتاد إن الفقر أصبح يطال عملياً جميع سكان القطاع.
ويصف رئيس تنسيق المساعدة للشعب الفلسطيني في المنظمة، معتصم إلاغرا، الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب بأنه كان “كارثياً بالفعل”، لكنه أصبح منذ ذلك الحين “أسوأ بكثير”.
ولم يقتصر الانهيار على دخل الأسر أو قدرتها على شراء الغذاء، بل امتد إلى القطاعات التي كانت تشكل قاعدة الاقتصاد المحلي.
ويشير التقرير إلى أن قطاع الإسكان تكبد أكبر قدر من الأضرار، بقيمة تقدر بنحو 19 مليار دولار في عام 2025.
كما انخفض النشاط الصناعي والإنتاج الزراعي بنحو 94%، في حين أصبحت نسبة ضئيلة جداً من الأراضي الزراعية متاحة وقابلة للوصول والاستغلال.
وهذا يعني أن قدرة القطاع على إنتاج الغذاء وتوفير فرص العمل وتوليد الدخل تعرضت لضربة واسعة، الأمر الذي زاد اعتماد السكان على المساعدات الإنسانية.
2.8 مليار دولار.. خسائر دخل العمالة
لم تقتصر الحرب على تدمير المباني والمنشآت الاقتصادية، بل امتدت إلى سوق العمل الذي فقد مئات الآلاف من الوظائف.
وتقدر الأونكتاد الخسائر التراكمية في دخل العمالة منذ عام 2023 بنحو 2.8 مليار دولار.
أما البطالة، فتقول المنظمة إن أكثر من 90% من سكان غزة في سن العمل عاطلون عن العمل.
وتكشف هذه الأرقام عن مشكلة تتجاوز مرحلة الحرب نفسها.
فحتى في حال توقف العمليات العسكرية، لن يكون استئناف النشاط الاقتصادي أمراً سريعاً، لأن جزءاً كبيراً من المؤسسات التي كانت توفر الوظائف والدخل لم يعد قائماً.
وبالتالي، فإن إعادة بناء غزة لا تعني فقط إعادة تشييد المنازل والمستشفيات والطرق، وإنما إعادة بناء سوق عمل واقتصاد فقدا جزءاً كبيراً من قدرتهما على العمل.
92% من المؤسسات الاقتصادية تحت تأثير الدمار
وتشير الأونكتاد إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية دمرت أو ألحقت أضراراً بنحو 92% من المؤسسات الاقتصادية في غزة.
وهنا تظهر إحدى أصعب مشكلات مرحلة ما بعد الحرب.
فالاقتصاد يحتاج إلى مؤسسات حتى يبدأ الإنتاج، ويحتاج الإنتاج إلى بنية تحتية، وتحتاج الشركات إلى التمويل والعمال والأسواق حتى تعود إلى العمل.
لكن هذه السلسلة تعرضت لضربة متزامنة.
المصانع والمتاجر والمزارع ومرافق الخدمات والبنية التحتية الاقتصادية تضررت بدرجات مختلفة، بينما لا تزال البيئة الأمنية والسياسية التي تسمح بعودة النشاط الاقتصادي غير واضحة.
ومن ثم، فإن السؤال لم يعد فقط: كم ستكلف إعادة إعمار غزة؟
بل أصبح أيضاً: كيف يمكن إعادة بناء اقتصاد قادر على العمل في ظل غياب إطار سياسي وأمني واضح؟
71.5 مليار دولار لإعادة الإعمار
تقدر الأونكتاد احتياجات إنعاش وإعادة إعمار غزة بنحو 71.5 مليار دولار، مع احتمال ارتفاع الرقم كلما استمر الدمار وتأخرت عملية إعادة البناء.
لكن توفير هذا المبلغ، رغم ضخامته، لا يمثل وحده حلاً للأزمة.
فإعادة الإعمار تحتاج إلى تمويل مستدام، ومواد ومعدات، وطرق مفتوحة أمام حركة البضائع، وبيئة أمنية مستقرة، إلى جانب ترتيبات سياسية تحدد الجهة التي ستدير القطاع وتشرف على عملية إعادة البناء.
ولهذا ترتبط الأزمة الاقتصادية ارتباطاً وثيقاً بالمسار السياسي.
فكلما طال أمد الحرب وتعطلت التسوية، ارتفعت كلفة إعادة الإعمار، واتسعت الفجوة بين الاقتصاد الذي كان قائماً قبل الحرب والاقتصاد الذي سيكون مطلوباً بناؤه بعدها.
الضفة الغربية تدفع ثمن الأزمة أيضاً
ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند قطاع غزة.
ففي الضفة الغربية، تشير الأونكتاد إلى تزايد القيود على الوصول إلى الأراضي والموارد الطبيعية، بالتزامن مع توسع المستوطنات وتشديد القيود على حركة الأشخاص والبضائع.
وترى المنظمة أن هذه التطورات أضعفت النشاط الاقتصادي وزادت مخاطر النزوح.
كما تشير تقديراتها إلى أن الضفة الغربية قد تحتاج إلى عدة سنوات للعودة إلى مستوى نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الذي كان سائداً قبل الأزمة.
أما غزة، فقد تحتاج إلى أكثر من عقد للوصول إلى المستوى نفسه.
وبذلك، لا تبدو تداعيات الحرب مرتبطة فقط بالخسائر الحالية، بل بسنوات طويلة من النمو الاقتصادي الذي قد يكون ضائعاً.
السلطة الفلسطينية.. أزمة مالية تقترب من القطاع المصرفي
وفي رام الله، تتراكم أزمة أخرى بالتوازي مع الحرب.
فانكماش الاقتصاد أدى إلى تراجع الإيرادات العامة، في وقت انخفضت فيه المساعدات الخارجية، بينما أدت الاقتطاعات المتكررة من الإيرادات الفلسطينية التي تجبيها إسرائيل إلى زيادة الضغوط على المالية العامة، وفق الأونكتاد.
ولمواجهة العجز والحفاظ على الخدمات الأساسية، زادت الحكومة الفلسطينية اعتمادها على الاقتراض من البنوك المحلية وعلى صندوق التقاعد، في وقت تراكمت فيه المستحقات المتأخرة لمقدمي الخدمات من القطاع الخاص.
لكن الاعتماد المتزايد على القطاع المصرفي يحمل معه مخاطرة إضافية.
فالحكومة تحتاج إلى البنوك لتمويل نفقاتها، بينما تحتاج البنوك نفسها إلى الحفاظ على قدرتها على تمويل الشركات والأفراد.
ومع استمرار الأزمة، يصبح هذا التوازن أكثر هشاشة.
القطاع المصرفي أمام اختبار صعب
تحذر الأونكتاد من الضغوط المتزايدة التي يتعرض لها النظام المصرفي الفلسطيني نتيجة الأزمة المالية.
فالقطاع المصرفي لا يعمل بمعزل عن الاقتصاد.
ضعف الشركات يعني انخفاض الطلب على القروض، وارتفاع المخاطر الائتمانية، بينما يؤدي عجز الحكومة إلى زيادة اعتمادها على المصارف المحلية لتمويل النفقات العامة.
وفي حال تفاقمت الأزمة، يمكن أن تمتد آثارها إلى الشركات والأسر والقدرة على دفع الرواتب وتمويل النشاط الاقتصادي.
وهكذا تتداخل ثلاث أزمات في مشهد واحد: حرب دمرت الاقتصاد في غزة، وأزمة مالية تضغط على السلطة الفلسطينية، ونظام مصرفي يتحمل جزءاً متزايداً من تكلفة الأزمة.
إعادة الإعمار ليست مجرد بناء منازل
المشهد الذي ترسمه الأرقام يجعل إعادة إعمار غزة مشروعاً يتجاوز بكثير ترميم المباني المدمرة.
فالقطاع يحتاج إلى إعادة بناء المنازل، وإصلاح شبكات المياه والكهرباء والطرق، وإعادة تشغيل المستشفيات والمدارس، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى إعادة بناء المصانع والمزارع والمؤسسات التجارية وسوق العمل.
وهذا يعني أن عملية الإعمار ستكون مرتبطة بإعادة بناء الاقتصاد نفسه.
لكن ذلك يظل مشروطاً بأسئلة لم تجد إجابات نهائية حتى الآن: من سيدير غزة بعد الحرب؟ من سيمول إعادة إعمارها؟ ما الإطار الأمني الذي سيحكم القطاع؟ وكيف ستتحرك البضائع والأشخاص؟ ومن سيشرف على تدفق مليارات الدولارات المخصصة للإعمار؟
فاتورة الحرب تتضخم.. والسياسة لا تزال متعثرة
بينما تتواصل التصريحات السياسية في نيويورك والعواصم الدولية، تتواصل على الأرض آثار الانهيار الاقتصادي.
كل تأخير في الوصول إلى تسوية يعني، بالنسبة إلى الاقتصاد، مزيداً من الوظائف المفقودة، ومزيداً من المنشآت المتضررة، ومزيداً من الضغط على المالية الفلسطينية، وربما مزيداً من الأموال المطلوبة لإعادة الإعمار.
ولهذا، فإن أزمة غزة لم تعد تختصر في سؤال متى تنتهي الحرب؟
فالسؤال الذي يزداد إلحاحاً هو: كيف سيبدو القطاع بعد الحرب، ومن يملك القدرة والموارد والإرادة السياسية لإعادة بناء ما دمرته؟
وبينما لا يزال المسار السياسي متعثراً، تستمر الفاتورة الاقتصادية في الارتفاع، فيما تبتعد نقطة العودة إلى اقتصاد ما قبل الحرب أكثر فأكثر.






