التطورات الأخيرة في مدينة غزة تعكس لحظة فارقة في مسار الحرب التي تجاوزت يومها الـ700 دون أن تحقق إسرائيل هدفها المعلن بالقضاء على حماس أو إنهاء قدرة المقاومة الفلسطينية على تهديدها. النقاش المتصاعد داخل الأوساط العسكرية والسياسية والإعلامية الإسرائيلية يعكس مأزقًا استراتيجيا تتعثر فيه حكومة بنيامين نتنياهو، بين رغبة في الحسم العسكري ورعب من تبعات أي خطوة على الأرض، سواء على صعيد المحتجزين أو على صعيد الإدارة المدنية والأمنية لقطاع مكتظ يقطنه أكثر من مليوني فلسطيني.
نتنياهو عديم المشاعر
وسائل الإعلام الإسرائيلية بدت منقسمة لكنها متفقة على توصيف الوضع بالخطير. فمراسلو القنوات العسكرية تحدثوا عن استعدادات لهجوم واسع يطال البنية التحتية المدنية والعسكرية في غزة، لكنهم في الوقت ذاته حذروا من تعقيدات ميدانية تحول دون تحقيق أهداف سريعة. فإفراغ المدينة من المدنيين لم ينجح حتى الآن، والحديث عن حكم عسكري طويل الأمد يثير فزع المؤسسة العسكرية نفسها التي تدرك أن إسرائيل ستجد نفسها ملزمة بتحمل مسؤولية إدارة حياة السكان قانونيًا وإنسانيًا، بما في ذلك توفير الخدمات والأمن والغذاء، وهو ما يشكل عبئًا سياسيًا وأخلاقيًا واقتصاديًا هائلًا.
على المستوى الداخلي، أخذ ملف الأسرى المحتجزين أبعادًا ضاغطة غير مسبوقة. عائلات المخطوفين عبرت عن صرخات خوف حقيقية من أن استمرار التصعيد قد يعني موت أبنائهم، فيما اتهمت بعض الأصوات نتنياهو بانعدام المشاعر واستغلال القضية للبقاء في الحكم. هذه الأصوات تمثل جرس إنذار داخلي، خصوصًا أن أي فشل في إعادة المحتجزين أحياء سيُترجم إلى أزمة سياسية عاصفة تهدد الحكومة اليمينية بالانهيار.
فرض حكم عسكري
أما التحذيرات القانونية التي طرحها خبراء مثل عوفر بارتيل، فتسلط الضوء على المأزق الدولي، إذ إن فرض حكم عسكري يجعل إسرائيل ملزمة دوليًا كقوة احتلال بكل تبعات ذلك، ما قد يفتح الباب أمام اتهامات جنائية أو عقوبات سياسية. في هذا السياق، يعكس وصف الحكم العسكري بأنه “كارثة” إدراكًا بأن كلفة السيطرة المباشرة على غزة قد تكون أكبر بكثير من كلفة الانسحاب أو حتى التسوية الجزئية.
الأصوات التحليلية في الإعلام العبري، مثل آمي إيسخاروف، ذهبت أبعد من ذلك حين اعتبرت أن تكرار الاستراتيجية ذاتها ضد حماس ضرب من الوهم، فالتجربة السابقة أظهرت أن الحركة لم تُكسر رغم كل الضربات، وأن القوة العسكرية لا تكفي لإنهاء مشروع سياسي وعقائدي متجذر في المجتمع الفلسطيني. هذه القراءة تشي بانقسام في الرأي العام الإسرائيلي ذاته، وهو ما ظهر في استطلاع القناة 12، حيث أيّد نصف الإسرائيليين تقريبًا خيار الصفقة حتى ولو كانت جزئية، في مقابل أقلية نسبية تميل إلى استمرار الاحتلال الكامل.
يظهر أن إسرائيل تقف أمام ثلاثة خيارات كلها مُرة: تصعيد عسكري شامل قد يفاقم مأساة المحتجزين ويفرض حكمًا عسكريًا مكلفًا؛ أو تسوية سياسية جزئية تُتهم على إثرها الحكومة بالضعف؛ أو استمرار سياسة الاستنزاف التي تُطيل أمد الحرب بلا أفق. جميعها خيارات تؤكد أن المأزق الإسرائيلي في غزة ليس عسكريًا فقط، بل سياسي وأخلاقي واستراتيجي، وأن أي رهان على الحسم عبر القوة وحدها يظل أقرب إلى إدارة أزمة مفتوحة منه إلى حل حقيقي.






