في الحروب، لا تنتهي المأساة عند لحظة الفقد، بل تبدأ بعدها فصول أكثر قسوة، حين تُحاصر العائلات بين الموت والعجز عن وداع أحبّتها أو دفنهم بكرامة. هكذا عاش أهالي غزة قصصًا تتجاوز حدود الألم، بعدما أجبرتهم ظروف الحصار والعمليات العسكرية على الاحتفاظ بجثامين ذويهم داخل منازلهم لأيام طويلة، في مشاهد تختزل حجم المعاناة الإنسانية التي عاشها المدنيون، وتكشف كيف تحوّلت أبسط الحقوق الإنسانية، كدفن الموتى، إلى أمنية مؤجلة وسط أجواء الحرب والدمار.
قصة استشهاد سائدة
ولم يكن استشهاد سائدة عبد الهادي الزعانين قنصا داخل منزلها وأمام أبنائها التسعة أقسى ما شهدوه خلال الحرب على غزة، بل قضاؤهم 6 أيام كاملة بعد ذلك إلى جوار جثمانها المودَع في ثلاجة الطعام. وفي المنزل نفسه الذي قُتلت فيه سائدة، تجلس ابنتها الكبرى حنين 20 عاما إلى جوار جدتها.
وعرضت لمراسلة الجزيرة نت مقاطع مصورة احتفظت بها منذ ذلك اليوم قبل 27 شهرا. وتظهر فيها والدتها مسجّاة على الأرض، يحيط بها زوجها وأطفالها، يتناوبون على تقبيل يديها وجبينها ورأسها. وامتنعت “حنين” عن سرد تفاصيل القصة، قائلة “لا أستطيع ولا أحتمل”، تولّت جدتها أم علي روايتها، موضحة أن الحكاية بدأت في 18 مارس/آذار 2024، حين تقدمت الدبابات الإسرائيلية نحو مجمع الشفاء الطبي بشكل مفاجئ، لتجد عائلة عبد الهادي نفسها في قلب الحصار داخل المنزل في منطقة دوار حيدر عبد الشافي غربي مدينة غزة.
تقول الجدة أم علي عبد الهادي إن ابنتها “سائدة” بدأت إعداد الخبز منذ ساعات الصباح الأولى، وحين سألتها مستغربة عن سبب استعجالها، أجابت بأنها تريد الانتهاء من إعداد الطعام مبكرا، خشية ألا تسمح الظروف لاحقا بإشعال النار للخبز أو الطهي. وبعد أن أنهت سائدة تجهيز العجين، جلست لترضع طفلها الأصغر أحمد، الذي لم يكن قد تجاوز 4 أشهر من عمره، وكانت تلك “آخر مرة تحمله بين ذراعيها” تقول أم علي.
رصاصة في الصدر
وما إن انتهت من إرضاعه حتى توجهت نحو الشرفة القريبة من المطبخ، لتعليق بعض الملابس على حبل الغسيل، حيث “لم تكن قد قطعت سوى أمتار قليلة حين ناديتها محذرة إياها لكنها لم تلتفت”.
لم تُنه أم علي نداءها حتى سمعت صوت الرصاصة وهي تخترق صدر سائدة، ثم تبعتها رصاصة أخرى قبل أن تسقط أرضا. محاولات للإنقاذ.. ولكن! تجمعت العائلة عند باب الشرفة، لكن أحدا لم يجرؤ على الاقتراب منها، “فطائرات كواد كابتر والقناصة يملأون المكان”، لتبدأ محاولات زوجها في إنقاذها، حيث ظنّ الجميع أن الإصابة في ساقيها بسبب سقوطها المباشر، فيما كانت سائدة تردد بصوت خافت أنها لا تشعر بألم محدد، لكنها غير قادرة على الحركة.
وأمام محاولات إنقاذها، ألقى زوجها حبلا نحوها لسحبها، وبدأت بالزحف حتى تمكنت من الوصول إليهم، ليحتضنها ويحملها لصالة البيت، وبعد تفقد إصابتها تبيّن أن رصاصة قد اخترقت صدرها وخرجت منه، أما الأخرى فقد تفجرت قرب قلبها، هرع الزوج للنوافذ يصرخ مستنجدا بأي إسعاف ليحملها إلى المستشفى.
صرخة 9 أطفال
ونظرًا لإطباق الحصار على المنطقة، لم يكن مسموحا لسيارات الإسعاف دخول مناطق الحصار، كما أن الخروج للشارع كان يعني موتا حتميا. وبعد مرور نصف ساعة من الإصابة والعجز عن إنقاذها، وعلى وقع صراخ العائلة الذي تردد صداه في الأرجاء، قفز جارهم الممرض محمود الهندي من المنزل المجاور لهم، وبعد فحص عينيها ونبضها، التفت إلى زوجها قائلا: “عظم الله أجركم، لقد فارقت الحياة”.
تستحضر أم علي للجزيرة نت تلك اللحظة حيث ضجّ المكان بالعويل، وتقول إن أبناءها التسعة (5 إناث و4 ذكور) صرخوا بصوت واحد ينادونها “قومي يا ماما”. وبينما راحوا يبكون لفقدها كان الرضيع يبكي من جوعه. تكمل أم علي “لم يسكت أحمد ولو لدقيقة واحدة، حتى همّت عمته -التي كانت قد أنجبت قبل الحصار بأيام- بإرضاعه، ثم بدأ يهدأ”.
فيما وقفت العائلة عاجزة أمام مشهد جديد لم تكن تتوقعه حتى في أسوأ الكوابيس كما تقول، تحوّل التفكير من الحزن على سائدة إلى سؤال أكثر إلحاحا: ماذا سنفعل بجثمانها؟. “لم يكن دفنها ممكنا. جمع زوجها معدات الحفر لكن القناصة المنتشرين في المكان حالوا دون قدرته على التقدم خطوة إلى الخارج”، تقول أم علي.
ساعات حزينة أمام ثلاجة الطعام
وبعد ساعات من النقاش والارتباك، اتفقت العائلة على وضعها في الثلاجة، حيث كانت العائلة تعتمد على الطاقة الشمسية في توليد الكهرباء، كي لا تتحلل أمام الأطفال. تفسّر أم علي “أفرغنا ثلاجة كبيرة كانت مخصصة لحفظ المثلجات من محتوياتها، وأزلنا الأدراج الداخلية، ولففنا الجثمان بغطاء ثم قمنا بإمالة الثلاجة لنتمكن من وضع الجثمان وأغلقناه بإحكام، ثم أوقفناها” تصمت قليلاً قبل أن تواصل: “لقد كان شيئاً جنونيا، لكن لم يكن بيدنا فعل شيء آخر!”.
حدث كل هذا أمام أنظار جميع الأهل والأبناء، الذين لم يكن بمقدورهم استيعاب ما يرونه، كما أن تبرير ذلك لم يكن مفهوما لدى الأطفال خاصة. وبينما تروي الجدّة أم علي التفاصيل تبكي حنين التي تجلس بجوارها، تمسح دمعها بطرف ثوبها، وتعلّق للجزيرة نت: “كان إخوتي يقضون ساعات طويلة أمام الثلاجة، ينادون أمي، ويحدثونها، ويسألونها، ويطرقون باب الثلاجة”. تسألنا حنين: “هل يمكن لشخص أن يتخيل أن تموت أمه وتبقى أمامه في ثلاجة في نفس الغرفة 6 أيام؟، كان أخي شفيق يقف أمامها طويلا وينادي:” أمي”، وأحمد يبكي كثيرا”.
كان الوضع لا يختلف عنه في منزل عائلة الهندي الملاصق لهم، حيث لاقى الممرض محمود الهندي الذي أكد خبر ارتقاء سائدة المصير ذاته بعد أقل من 24 ساعة، لكنّ عائلته لم تفكر بالتعامل مع الجثمان بالطريقة ذاتها. وفي تفاصيل ما جرى معهم، قالت أميرة الهندي، الابنة الكبرى للشهيد محمود، إنها كانت بالكاد تحاول الوصول لأي معلومة أو خبر يقين عن مصير زوجها محمد الذي كان في مجمع الشفاء الطبي المحاصر برفقة صديقه المصاب، حيث وصلتها أخبار باعتقاله دون تأكيد.
طائرة تستهدف المنازل
وتروي أميرة تفاصيل الحكاية التي بدأت صباح في 28 مارس/آذار 2024، حيث كان والدها قد توضأ استعدادا لصلاة الضحى، ثم دخل غرفة تحطمت نوافذها بفعل القصف ليجلب منشفة، قبل أن تباغته طائرة كواد كابتر بـ6 رصاصات، اخترقت اثنتان جسده؛ وواحدة استقرت في صدره وأخرى في بطنه.
تقول أميرة: “حين أُصيب ناداني: يا أميرة، كنت نائمة، ولحظة سماع صوته، استيقظت مذعورة وركضت نحوه. تمنيت لو كان حلما”. ما بعد الاستشهاد كان المشهد رهيبا؛ بركة من الدم أسفل ظهره، حيث اخترقت رصاصة بطنه وتفجرت في ظهره، وكان ملقى على الأرض وعاجزا عن الحركة، بينما كان يحاول دفعهم بعيدا عنه خوفا من أن تواصل الطائرة استهداف من يقترب منه.
وتضيف أميرة “كانت الطائرة داخل الغرفة التي دخلها أبي، سحبته مع إخوتي وأغلقنا الباب بعصا، لم أكن أفكر بشيء سوى بالطريقة التي سأنقذه بها”. وفي المنزل كان مع أميرة والدتها التي لم تكف عن الصراخ هي وشقيقاتها الثلاث وشقيقها وكلهم أصغر منها. حينها شعرت بأن عليها تولي المهمة الكبرى بالتعامل مع والدها الذي صار يُلقّنها ما عليها فعله وهو ينزف: “ارفعي قدميّ، وافتحي مجرى التنفس، واضغطي على الجرح ولفّيه بالقماش”.





