في أحد السرداب الضيقة أسفل مدرسة تؤوي نازحين في خان يونس، تتجسد مأساة إنسانية مركّبة تختلط فيها قسوة المرض بمرارة النزوح، حيث ترقد الأكاديمية الفلسطينية خلود أبو سهمود 35 عامًا مصابة بالسرطان، وسط ظروف معيشية قاسية تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
وبين جدران ضيقة علّقت عليها شهاداتها العلمية، تبدو مسيرتها الأكاديمية وكأنها توقفت فجأة أمام واقع صحي وإنساني يزداد تعقيدًا في ظل الحرب واستمرار إغلاق مسارات العلاج أمام آلاف المرضى في قطاع غزة.
رحلة علاج مستحيلة
لم تكن خلود تتخيل أن ينتهي بها المطاف في هذا الركن الضيق الذي تتقاسمه مع تسعة من أفراد عائلتها، بعدما كانت تحلم بمستقبل أكاديمي وتواصل مسيرتها الجامعية. لكن الحرب دفعتها من منزل إلى آخر، حتى استقرت في السرداب الذي لا تتوفر فيه أدنى مقومات الحياة، فيما أصبحت رحلة العلاج أكثر صعوبة من أي وقت مضى، بحسب “الأناضول”.
اكتُشف مرض خلود بعد ولادة طفلتها الأخيرة قبل ثمانية أشهر، وخضعت لنحو 15 جلسة علاج كيماوي، لكن جسدها لم يستجب، فتقرر وقف العلاج. تقول بصوت خافت: “تساقط شعري وأظافري، وأعاني من ضيق في التنفس وانتفاخ في البطن، وخسرت أكثر من 20 كيلوغرامًا من وزني”. أما المشي لبضعة أمتار، فأصبح يستنزف ما تبقى من قوتها.
خلود: حُرمت من رعاية طفلتي
لا يؤلم خلود المرض وحده، بل عجزها عن أداء أبسط تفاصيل الأمومة. تنظر إلى رضيعتها بحسرة لأنها لا تستطيع حملها أو رعايتها كما تتمنى. تقول والدموع تغالبها: “حُرمت من رعاية طفلتي، ولا أستطيع إرضاعها أو حتى حملها بصورة طبيعية”. ثم تضيف: “أرى أطفالي وزوجي بحاجة إلي، لكنني أنا من أصبح بحاجة إلى من يرعاني”.
على الجدار المقابل لفراشها تتدلى شهاداتها الجامعية، تروي حكاية سنوات طويلة من الاجتهاد. حصلت على الدكتوراه في التربية من الجامعة الإسلامية بغزة، وأنجزت درجة الماجستير خلال عام وأربعة أشهر فقط، كما عملت في التدريس الجامعي قبل إنهاء دراستها.
كانت تطمح إلى مواصلة البحث العلمي والحصول على درجة الأستاذية، لكن الحرب والمرض أوقفا كل شيء. تقول: “كرست حياتي للعلم، وكان حلمي أن أواصل مسيرتي الأكاديمية، لكن المرض عصف بكل أحلامي”. بعد نزوحها مرات عدة، غادرت الخيمة إلى المدرسة بحثًا عن مكان يناسب حالتها الصحية، لكنها وجدت نفسها في سرداب يفتقر إلى الهواء والضوء.
خلود نموذج لآلاف المرضى
ورغم الألم، لا تزال تتمسك بأمل واحد، وهو السفر لتلقي العلاج خارج غزة. تقول: “أتمنى فقط أن أغادر للعلاج، وأتعافى، ثم أعود إلى أطفالي وبيتي وحياتي”. وتناشد الجهات المعنية الإسراع في إجلائها قبل أن يفوت الأوان، مؤكدة أنها واحدة من آلاف المرضى الذين ينتظرون فرصة قد تنقذ حياتهم.
وأعلنت وزارة الصحة في غزة، في 11 يونيو/حزيران الجاري، أن إسرائيل تعرقل سفر نحو 17 ألف مريض فلسطيني حصلوا على تحويلات طبية للعلاج خارج القطاع، محذرة من ارتفاع أعداد الوفيات بين المرضى المنتظرين، في وقت يشهد فيه القطاع الصحي انهيارًا حادًا بسبب تدمير المستشفيات ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية.





