في ظل التصعيد العسكري المستمر على قطاع غزة، أطلقت فلسطين نداءً واضحًا وحازمًا من خلال كلمتها أمام مجلس الأمن الدولي، مطالبةً بتدخل فوري لوقف ما وصفته بـ”العدوان الإسرائيلي”، الذي تقول إنه بلغ مستويات غير مسبوقة من العنف والدمار، دون سند قانوني أو إنساني. الكلمة التي ألقاها السفير رياض منصور، المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى الأمم المتحدة، لم تكن مجرد شكوى دبلوماسية، بل حملت في طياتها مؤشرات خطيرة على تفاقم الوضع الإنساني وتدهور الاستقرار الإقليمي، وسط عجز دولي عن فرض أي آلية لوقف إطلاق النار أو حماية المدنيين.
اتساع رقعة القتل العشوائي
السفير الفلسطيني قدّم صورة قاتمة عن حجم الكارثة، مشيرًا إلى أن عدد الضحايا تجاوز 60 ألفًا، بينهم أكثر من 20 ألف طفل، وهو رقم صادم يعكس اتساع رقعة القتل العشوائي والاستهداف غير التمييزي للمدنيين. منصور اعتبر أن التذرّع الإسرائيلي بقضايا أمنية أو بملف المحتجزين لا يمكن أن يشكّل مبررًا لهذا الكم من القتل والدمار، متهمًا إسرائيل بانتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني وارتكاب “جرائم واسعة النطاق”، على حد تعبيره.
وفي سياق تحميل المجتمع الدولي مسؤوليته، أشار منصور إلى أن الصمت أو التقاعس في هذه المرحلة يعادل التواطؤ، خصوصًا مع وجود مؤشرات واضحة على مخطط لإعادة احتلال غزة بشكل كامل. وحذّر من أن مثل هذا المخطط لن يؤدي إلى استقرار أو أمن، بل على العكس، سيفتح الباب أمام موجة جديدة من الدمار والمعاناة الإنسانية، ما يفاقم الكارثة المستمرة منذ أشهر.
أطفال غزة ضحايا العداون
واعتبر منصور أن هذا المسار التصعيدي يمثل تحديًا مباشرًا لإرادة المجتمع الدولي ولأهداف ميثاق الأمم المتحدة في حفظ السلم والأمن الدوليين. ومن هنا، شدد على ضرورة أن يتحرك مجلس الأمن فورًا، دون تأجيل، لإصدار قرارات ملزمة تقضي بوقف العدوان، وضمان فتح الممرات الإنسانية، والسماح بدخول الإغاثة، وفرض انسحاب فوري للقوات الإسرائيلية من قطاع غزة.
إلى جانب البعد السياسي والأمني، لم يُغفل منصور الجانب الإنساني، مؤكدًا أن أطفال غزة هم الضحايا الأبرز في هذا النزاع، ومطالبًا المجتمع الدولي بأن يتبنى مع الفلسطينيين “طريق السلام”، الذي اعتبره الخيار الوحيد لحماية مستقبل المنطقة بأسرها. وقد عبّر في ختام كلمته عن استعداد القيادة الفلسطينية للتعاون مع جميع الأطراف الجادة للتوصل إلى حل سياسي شامل وعادل، يضع حدًا للعدوان ويؤسس لسلام دائم.
تحليل هذه الرسالة يكشف عن تحوّل في الخطاب الفلسطيني الرسمي، من مجرد التنديد إلى تحميل المجتمع الدولي مسؤولية مباشرة عن استمرار المأساة، في ظل ما تراه القيادة الفلسطينية “تواطؤًا بالصمت”. كما أن التركيز على الأرقام الكبيرة للضحايا، وتحديدًا من الأطفال، يهدف إلى كسر جدار اللامبالاة العالمية، واستثارة الرأي العام الدولي للضغط على حكوماته للتحرك. ويبدو واضحًا أن هذا التحرك الفلسطيني يستبق أو يواكب تحركات أخرى إقليمية ودولية، في محاولة لتغيير قواعد الاشتباك الدبلوماسي وإعادة طرح القضية الفلسطينية، وبخاصة ملف غزة، على رأس أجندة مجلس الأمن والأمم المتحدة.
منع إصدار قرارات ضد إسرائيل
غير أن فعالية هذا النداء تظل رهينة بمواقف القوى الكبرى في المجلس، وبالأخص الولايات المتحدة، التي كثيرًا ما استخدمت حق النقض لمنع إصدار قرارات ضد إسرائيل. في المقابل، يمثل هذا الخطاب فرصة لدول أخرى، لا سيما الأوروبية واللاتينية، لتعزيز الدعوات إلى مساءلة إسرائيل دبلوماسيًا وقانونيًا، وربما فتح تحقيقات أممية حول الجرائم المزعومة.
يمكن القول إن كلمة السفير رياض منصور أمام مجلس الأمن حملت رسائل متعدّدة المستويات، جمعت بين الاتهام السياسي والنداء الإنساني، في محاولة لخلق زخم دولي جديد يضغط باتجاه وقف العدوان وفتح أفق سياسي يُخرج القطاع من دوامة الحرب، ويحمي ما تبقى من الأمل في مستقبل آمن وعادل للفلسطينيين.






