الفيديو الذي نشرته «كتائب القسام» ويظهر أسيرين لدى الحركة، أحدهما يتحدث عن أن آسريه أبلغوه بأنه سيبقى في مدينة غزة رغم الهجوم الإسرائيلي المرتقب، يمثل حلقة جديدة في أسلوب حماس القائم على توظيف ورقة الأسرى في صراعها مع إسرائيل والمجتمع الدولي. غير أن خطورة هذا المشهد لا تكمن في الجانب الدعائي فقط، بل في الدلالة السياسية التي تعكسها طريقة إدارة الحركة للأزمة: تمسك مطلق بالبقاء في الحكم، ورفض كامل لأي نقاش جدي يتعلق بتسليم السلاح أو إعادة هيكلة الواقع السياسي في غزة، حتى وإن كان الثمن هو حياة المدنيين الذين يدفعون أثمانًا باهظة في ظل الحرب المتواصلة.
مصير الأسرى
منذ اندلاع الحرب الأخيرة، أظهرت حماس أنها ترى في استمرار الصمود العسكري والسياسي سبيلًا وحيدًا للحفاظ على شرعيتها كحركة مقاومة وكسلطة أمر واقع داخل القطاع. إلا أن هذا الخيار، على الرغم من شعاراته، لم يفضِ إلا إلى تفاقم المأساة الإنسانية: آلاف الضحايا، دمار واسع للبنية التحتية، ومجاعة تطرق أبواب البيوت. وبينما يترنح القطاع على حافة الانهيار الكامل، تواصل حماس استثمار أوراقها السياسية – الأسرى، الأنفاق، ووجودها العسكري – كورقة مساومة، من دون أن تُظهر استعدادًا حقيقيًا لتحمل مسؤولية وضع نهاية لمعاناة السكان عبر تسوية أو حتى تنازل استراتيجي يفتح باب الحل السياسي.
الرسالة غير المعلنة من هذا الفيديو واضحة: حماس تريد القول إنها قادرة على التحكم بمصير الأسرى وتملك ورقة ضغط قوية في أي مفاوضات. لكن الرسالة الأعمق تكشف أن الحركة تتعامل مع المدنيين داخل غزة بالمنطق ذاته؛ أدوات ضمن معادلة صراع أوسع، وليست أرواحًا يجب إنقاذها بأي ثمن. هنا يظهر التناقض الصارخ: في الوقت الذي ترفع فيه الحركة خطاب المقاومة وحماية الحقوق الوطنية، فإن ممارستها الفعلية تُفضي إلى إدامة الدمار وتجويع الفلسطينيين، بينما تزداد عزلة القطاع سياسيًا واقتصاديًا.
مستقبل القضية الفلسطينية
إن إصرار حماس على رفض التخلي عن سلاحها أو القبول بترتيبات بديلة للحكم في غزة يعكس خشيتها من فقدان كيانها السياسي، لكنها بذلك تُغرق القطاع في حلقة مفرغة من الدمار والعزلة. فبدلًا من أن تُوظف اللحظة التاريخية لتوحيد الصف الفلسطيني أو إعادة بناء مشروع وطني جامع، تكتفي بإعادة إنتاج معادلة “الحصار مقابل البقاء”، وهو خيار قد يضمن استمرار وجودها كقوة سياسية وعسكرية، لكنه يقضي في الوقت نفسه على مقومات الحياة الطبيعية في غزة.
يتضح أن حماس تضع حساباتها التنظيمية فوق المصلحة العامة. فالخيار بين السلاح والحفاظ على السلطة من جهة، وبين حياة المدنيين وفتح أفق سياسي جديد من جهة أخرى، ما يزال محسومًا لمصلحة الأولى. هذه السياسة تُحوّل سكان غزة إلى رهائن ضمن معادلة بقاء الحركة، وتُغلق الباب أمام أي حلول سياسية جادة قد تفضي إلى وقف الحرب أو إعادة إعمار القطاع. وفي نهاية المطاف، فإن الثمن الذي يُدفع ليس فقط من حاضر غزة، بل من مستقبل القضية الفلسطينية برمتها، التي تزداد عزلتها بفعل الانقسام الداخلي وتصلب الخيارات العسكرية على حساب أي مشروع سياسي جامع.






