يثير فيلم وثائقي بريطاني بعنوان «كسر الصفوف: داخل حرب إسرائيل» (Breaking Ranks: Inside Israel’s War) اهتماماً واسعاً بعدما جمع شهادات مصورة لجنود إسرائيليين حاليين وسابقين حول العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، فيما أصبح الفيلم مرشحاً لجوائز إيمي الدولية.
عُرض الفيلم للمرة الأولى على قناة ITV البريطانية في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وأخرجه المخرج الأنجلو-إيراني بن زند، فيما تولى إنتاجه الإسرائيلي ماتان كوهين. ويعتمد العمل على شهادات مباشرة لجنود قرر بعضهم الكشف عن هويته والتحدث علناً عن تجربته خلال الحرب.
جنود يتحدثون أمام الكاميرا
على خلاف أفلام وثائقية أخرى تناولت سلوك الجيش الإسرائيلي خلال الحرب، يقدم «Breaking Ranks» مقابلات يظهر فيها عدد من الجنود بوجوههم وأسمائهم، فيما يقول صناع الفيلم إن بعض المشاركين تحدثوا للمرة الأولى علناً عن تجربتهم في غزة.
وتتناول الشهادات التي يقدمها الفيلم طبيعة الأوامر العسكرية التي تلقاها الجنود، وطريقة تحديد الأهداف، إضافة إلى الظروف التي جرت فيها عمليات إطلاق النار وتدمير المباني.
ويحاول الفيلم، وفق طرحه التحريري، الانتقال من الصورة العامة للحرب إلى تجربة الجنود الذين شاركوا فيها، والسؤال عن الكيفية التي تحولت بها الأوامر العسكرية إلى ممارسات ميدانية.
شهادات تتحدى الرواية الرسمية حول قواعد الاشتباك
أبرز ما يقدمه الفيلم هو شهادات يقول أصحابها إنها تكشف عن تغيرات في قواعد الاشتباك خلال الحرب.
وبحسب الروايات التي يعرضها العمل، تحدث بعض الجنود عن أوامر بإطلاق النار في ظروف لم تكن فيها هوية الأشخاص المستهدفين واضحة، وعن تدمير مبانٍ ومناطق سكنية دون أن يكون واضحاً دائماً، من وجهة نظرهم، وجود تهديد عسكري مباشر يستدعي ذلك.
كما يتضمن الفيلم شهادات تتحدث عن استخدام مدنيين فلسطينيين في بعض الحالات ضمن عمليات عسكرية، وهي ممارسة يصفها القانون الدولي الإنساني بأنها تثير مسائل قانونية خطيرة إذا ثبت استخدامها لإجبار المدنيين على أداء مهام مرتبطة بالعمليات العسكرية.
لكن هذه الروايات تبقى شهادات فردية يقدمها الفيلم ضمن سياقه التحريري، ولا تعني بمفردها إثبات وقوع كل ادعاء في جميع وحدات الجيش أو خلال جميع العمليات في غزة.
من «الضرورات العسكرية» إلى سؤال المسؤولية
القضية الأكثر حساسية التي يطرحها الفيلم تتعلق بالحد الفاصل بين العمليات العسكرية المشروعة وبين الأفعال التي قد ترقى إلى انتهاكات للقانون الدولي الإنساني.
فالقانون الدولي يفرض على أطراف النزاعات المسلحة مبادئ أساسية، بينها التمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب، واتخاذ الاحتياطات الممكنة لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين.
ومن هنا تكتسب شهادات الجنود أهمية خاصة، ليس لأنها تحسم وحدها طبيعة العمليات التي شاركوا فيها، وإنما لأنها تفتح نافذة على كيفية تفسير الأوامر وتنفيذها على الأرض.
منتج إسرائيلي وراء الفيلم
يحمل الفيلم أيضاً خصوصية مرتبطة بفريق إنتاجه. فوجود المنتج الإسرائيلي ماتان كوهين إلى جانب المخرج بن زند يضع العمل في سياق محاولة فحص الحرب من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، وليس فقط من خلال شهادات فلسطينية أو تقارير منظمات حقوق الإنسان.
وكان صناع الفيلم قد أشاروا عند عرضه إلى أن الشهادات التي يتضمنها يمكن أن تثير تساؤلات جدية حول سلوك القوات الإسرائيلية في غزة، بما في ذلك احتمال وجود ممارسات تتعارض مع قواعد القانون الدولي.
«شهادة من الداخل» في مواجهة صورة الحرب
منذ بداية الحرب، شكلت مسألة توثيق ما يحدث في غزة واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، خصوصاً في ظل القيود المفروضة على دخول الصحفيين المستقلين إلى القطاع، والصعوبة الكبيرة في التحقق بصورة مستقلة من بعض الوقائع الميدانية.
في هذا السياق، تعتمد أفلام مثل «Breaking Ranks» على شهادات أفراد شاركوا في العمليات العسكرية لتقديم رواية من داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
وهذه المقاربة تمنح الفيلم بعداً مختلفاً، لكنها تفرض في الوقت ذاته ضرورة التعامل مع الشهادات وفق قواعد التحقق الصحفي: تحديد هوية الشاهد، وظيفته خلال الحرب، الوحدة التي خدم فيها، مكان الأحداث وتاريخها، وما إذا كانت روايته مدعومة بأدلة أو شهادات مستقلة أخرى.
إلى سباق جوائز إيمي الدولية
ترشيح الفيلم لجوائز International Emmy Awards يضع القضية التي يتناولها أمام جمهور دولي أوسع، خصوصاً أن جوائز إيمي الدولية تسلط الضوء على الإنتاج التلفزيوني خارج الولايات المتحدة.
لكن أهمية الفيلم، بعيداً عن مسألة الجوائز، تكمن في الأسئلة التي يحاول طرحها: كيف تغيرت قواعد الاشتباك خلال الحرب؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تتحول الأوامر العسكرية إلى ممارسات تؤدي إلى سقوط مدنيين؟ وما الآليات التي يمكن من خلالها التحقيق في الادعاءات المتعلقة بانتهاكات القانون الدولي؟
هذه الأسئلة لا يمكن حسمها من خلال فيلم وثائقي وحده. غير أن ظهور جنود حاليين وسابقين أمام الكاميرا وتقديمهم روايات مباشرة عن عمليات شاركوا فيها يضيف مصدراً جديداً إلى السجل المتنازع عليه بشدة بشأن سير الحرب في غزة.
وفي النهاية، يترك «Breaking Ranks» المشاهد أمام المسألة الأكثر حساسية في أي حرب: أين ينتهي تنفيذ الأوامر العسكرية وتبدأ المسؤولية الفردية والقانونية عن الأفعال التي تقع على الأرض؟






