تكشف روايات الجنود الإسرائيليين التي نشرتها صحيفة هآرتس عن جانب مسكوت عنه في حرب غزة، يتمثل في الانهيارات النفسية التي تضرب صفوف الجيش، والهوة العميقة بين خطاب القيادة العسكرية وواقع المقاتلين في الميدان. فبينما يروج قادة الجيش لانتصارات متتالية و”معركة وجودية”، تتدفق شهادات من داخل الوحدات تكشف عن مشاهد قتل عشوائي للمدنيين، أطفالاً ونساءً، وعن جنود يغرقون في صدمة ما بعد المعركة حتى يتركون الخدمة، أو يحاولون الانتحار، أو يرفضون الأوامر علناً.
السخرية من الجنود
التحقيق المطوّل الذي نشرته الصحيفة يضع علامات استفهام كبرى على قدرة الجيش الإسرائيلي على الاستمرار في حرب طويلة الأمد داخل بيئة مكتظة ومعقدة مثل غزة. الجنود الذين رووا تجاربهم لم يخفوا تفاصيل الفظائع التي ارتكبوها أو شهدوها: قناص يقر بأنه قتل “كثيراً من الأطفال” حتى فقد القدرة على العد، جندي يصف كيف قُتلت امرأة وطفلاها برصاص وحدته ثم قيل لهم إن “الخطأ خطؤهم”، وآخر بات يرتعب من أي صوت بعدما عاش انفجاراً مروّعاً في بيت حانون. هذه الروايات تتجاوز مجرد التعب الجسدي لتكشف انهياراً أخلاقياً يلاحق الجنود إلى أحلامهم وكوابيسهم.
القيادة العسكرية، وفق ما يرصده التحقيق، تتعامل مع هذه الظاهرة بالإنكار أو بالتقليل من شأنها، بل يصل الأمر أحياناً إلى السخرية من الجنود الذين يطلبون دعماً نفسياً أو نقلاً إلى مهام غير قتالية، واتهامهم بـ”خيانة إسرائيل”. هذا الخطاب القاسي يدفع كثيرين إلى كتمان معاناتهم أو محاولة إنهاء حياتهم، فيما يتلاعب الجيش بالبيانات الرسمية ليحجب الأرقام الحقيقية عن الرأي العام الإسرائيلي.
آلة قتل عمياء
لكن المعطيات الجزئية التي تسربت تكشف حجم الأزمة: أكثر من ألف جندي من النظاميين والاحتياط أعفوا رسمياً بسبب أعراض ما بعد الصدمة، في حين تقول مصادر مطلعة إن الأعداد الحقيقية أعلى بكثير، وتشمل آلافاً سرحوا أو تركوا الخدمة كلية، فضلاً عن عشرات حاولوا الانتحار بالفعل. هذه المؤشرات تنذر بتآكل تدريجي في “الجاهزية القتالية” للجيش، خاصة في وحدات المشاة والمدرعات الأكثر احتكاكاً بالمعارك داخل غزة.
التناقض الأبرز أن هؤلاء الجنود لم يتركوا الميدان فقط بسبب الإرهاق أو الخوف، بل أيضاً بسبب صراع داخلي مع ضميرهم. بعضهم بات يرى أن الحرب تحوّلت إلى آلة قتل عمياء تستهدف المدنيين بلا تمييز، وأنهم مجرد أدوات في لعبة سياسية وعسكرية يقودها قادة لا يبالون بثمن الدم أو الثمن النفسي الذي يدفعه الجنود. هذا الإدراك يهدد “العقد النفسي” الذي يقوم عليه الجيش الإسرائيلي، والمبني على الطاعة والثقة في القيادة.
صدمات نفسية
تبدو روايات الجنود كاشفة لحدود القوة الإسرائيلية في غزة. فحتى لو واصل الجيش قصفه وتوغله، فإن جبهته الداخلية تتعرض لتصدعات عميقة بفعل الصدمات النفسية، وهو ما قد يتحول إلى أزمة بنيوية طويلة الأمد تهز صورة “الجيش الذي لا يُقهر”، وتضع القيادة السياسية والعسكرية أمام مأزق مضاعف: كيف تواصل الحرب بينما يفقد الجنود الرغبة والقدرة على القتال؟






