قضية إطلاق سراح عارضة الأزياء اليمنية انتصار الحمادي ليست مجرد خبر إنساني ينهي معاناة شخصية، بل تفتح نافذة لا يمكن تجاهلها على أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة حكم جماعة الحوثي وأساليبها في ضبط المجتمع وحرية المواطنين، وما يترتب على ذلك من مخاطر تفكيك للنسيج الاجتماعي وتصعيد للعنف والانقسام داخل اليمن.
الإعلان عن الإفراج، الذي أكّده محاميها ومصادر أمنية ووسائل إعلام محلية ودولية بعد قرابة خمس سنوات من الاحتجاز، أعاد مجدداً إحياء النقاش حول ممارسات الجهات التي تسيطر على أجزاء واسعة من البلاد، وعن كيف تحوّلت قوانين «الآداب» وأحكام الأجهزة القضائية التابعة لسلطات الأمر الواقع إلى أدوات بسط سيطرة سياسية واجتماعية على أجساد وحرية النساء بشكل خاص.
ديكتاتورية السلوك.. محاكمات غير عادلة
أولاً، لا بد مِن تسجيل أن مصادرة حرية الأفراد على خلفيات اتهامات مبنية غالباً على معايير أخلاقية فضفاضة وتحويلها إلى قضايا جنائية تُعاقب، يمثل إحدى الوجوه الأساسية لـ«ديكتاتورية السلوك» التي تفرضها جماعات الأمر الواقع. في حالة انتصار الحمادي، ركب النظام القضائي في صنعاء موجة من الاتهامات التي وصفتها منظمات حقوقية ومحامون بأنها ملفقة أو مبالغ فيها تتضمن تهماً مثل «الزنا» و«الدعارة» و«تعاطي المخدرات»، وهي اتّهامات تُوظف، في السياقات السلطوية، لردع أي خطاب أو ممارسة تُخالفَ إطار السلوك العام الذي تريده السلطة.
مثل هذا النهج لا يهدف فقط إلى معاقبة فرد، بل إلى توجيه رسالة ردع للمجتمع ككل: أن أي خروجٍ عن الضوابط المفروضة سيقابل بقوة القانون وبإجراءات قمعية قد تصل إلى المصادرة الكاملة للحياة الاجتماعية والاقتصادية للمعني. هذه الآلية السياسية منسجمة مع ممارسات أثبتت تقارير حقوقية أنها شائعة في مناطق سيطرة الحوثيين منذ 2021، حيث وُثقت محاكمات «غير عادلة» وتهديدات بتطبيق اختبارات احتقارية جسدية وإجراءات تُشكّل انتهاكاً لحقوق الإنسان.
ثانياً، تحويل أجهزة الحكم إلى ضابطة أخلاقية يقوض المساحات المدنية ويغذي ثقافة التوتر والسرية داخل المجتمع. عندما تصير المراقبة الاجتماعية الرسمية واقعاً يومياً، ينسحب ذلك بسرعة على نسق العلاقات الأسرية والجماعية: النساء والفتيات يصبحن عرضة لحرمان الفرص، وللرقابة المزدوجة من جانب رجال الدين ومن جانب أجهزة الأمن، كما يُفرض تكتم حول العديد من ممارسات الحياة العامة مثل العمل الفني أو حتى الظهور على وسائل التواصل الاجتماعي.
الحكم القمعي وانتشار العنف الاجتماعي
هذا المناخ يولد مناخ خوف وانغلاق؛ الأشخاص الذين يرون حياتهم المهنية أو سمعتهم مهددة قد يختارون الاختفاء أو الامتثال القسري بدل الاستمرار في نشاطهم، وهذا بدوره يضعف الساحة الثقافية والمدنية ويقلل من قدرات المجتمع على إنتاج خطاب نقدي أو إصلاحي. الإفراج عن حالة محددة مثل انتصار يمكن أن يُقرأ، من منظور سطحي، كاستجابة لضغوط إعلامية ودولية، لكنه لا يغيّر المنظومة القانونية والسياسية التي أنتجت الاعتقال في المقام الأول.
ثالثاً، هناك ارتباط بين نمط الحكم القمعي وانتشار العنف الاجتماعي الذي يثخن النسيج المجتمعي. عندما تفضي سياسات القمع إلى إغلاق آليات الانخراط المدني وتكميم الأفواه، فإن ذلك يفرز آليات بديلة للتعبير والتحكم غالباً ما تكون عنيفة أو ردية: نزعات انتقامية، تفاقم الاستقطاب، وحتى لجوء بعض الفئات إلى الضرب بيد من حديد داخل الأسرة أو المجتمع كرد فعل على شعور بالعجز أو فقدان القدرة على التأثير. كما أن سيطرة جماعة مسلحة أو فصيل مسلّح على جزء من الدولة تعني أيضاً انتشار منطق السلاح كقوة تقرير، ما يسهّل تهيئة الأرضية لفض النزاعات الشخصية والعائلية بالقوة المسلحة بدلاً من القناة القضائية أو الحوار المجتمعي.
في هذا الإطار، يصبح القمع الأخلاقي والانتقام المجتمعي وجهين لعملة واحدة: كلما تضيق المساحة المدنية وتمد الأجهزة يدها لتشريع رقابة السلوك، كلما يزداد احتمال أن تحل النزاعات بالطرق العنيفة، وبالتالي يزداد تآكل الثقة بين المواطنين والدولة وبين المواطنين بعضهم بعضاً.
التمييز الجنسي وانتهاك حقوق المرأة
رابعاً، استمرار استخدام تهم «انتهاك الآداب» واتهامات فضفاضة تجاه النساء يعكس بعداً جنسياً وسياسياً للدولة القمعية: النساء، بوصفهن فاعلات في الميدان العام أو الإعلامي أو الفني، يُصبحن أهدافاً مزدوجة، أولاً لكونهن رمزاً للتمرد الرمزي على أطر ضيقة للدور الاجتماعي، وثانياً لأن معاقبتهن تعمل كتحذير مرئي ومأساوي لبقية النساء. إن المسألة هنا ليست مجرد قضية حرية فردية، بل تتعلق بتركيب السلطة الاجتماعي في مناطق النزاع: سلطة تُعيد إنتاج سلطتها عبر تحكيم جسد المرأة والسيطرة على طريقة ظهوره وشكل حياته العامة. هذا السلوك يكرّس التمييز الجنسي، ويُضعف من فرص النساء في الاعتماد على القانون لحمايتهن، لأن القانون ذاته قد تهيمن عليه تفسيراتٍ أمنية أو أخلاقية تُغلق أبواب العدالة.
خامساً، الإفراجات الفردية، مهما حملت من معنى إنساني، لن تملك قوة تحويلية ما لم تُرافقها إصلاحات بنيوية: توحيد مؤسسات القضاء والأمن، فصل السلطات وبناء محاكم مستقلة، حماية حريات التعبير والتجمع، ووضع أطر واضحة تحمي النساء من التجريم على أساس سلوكيات حياتية لا جرم فيها. بدون هذه الإصلاحات، تبقى حكاية انتصار نموذجاً مأساوياً لنظامٍ قادر على احتجاز الإنسان لأعوام طويلة على خلفية اتهامات مثيرة للجدل، ثم الإفراج عنه في لحظة تكتسي طابع استثنائي – إما نتيجة ضغوط داخلية أو ضغط خارجي – دون أن تتعرّض قواعد اللعبة نفسها لأي تغيير جذري. تقوية المجتمع المدني، وإطلاق سراح معتقلين آخرين، والسماح بنقاش عام حرّ، كلها خطوات ضرورية لكسر منطق الاعتقال كوسيلة تنظيمية للسلوك الاجتماعي.
خنق الحريات باسم القيم
ثمة بُعد إنساني لا ينبغي إهماله: سنوات من الاحتجاز والتعرّض لإجراءات قاسية تترك أثراً نفسياً ومعنوياً عميقاً على الضحايا، وقد تتطلب سنوات من العلاج والدعم لإعادة دمجهم في المجتمع. لذا فإن أي قراءة نقدية لممارسات الجماعات الحاكمة يجب أن تراعي أيضاً صوت الضحايا واحتياجاتهم العلاجية والاقتصادية، لا أن تتوقف عند مجرد تسجيل الانتهاكات. كما أن المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان يملك دوراً في الضغط من أجل إصلاحات قانونية ومؤسساتية، لكن المهم أن تقترن الضغوط الخارجية بسياسات محلية تُعيد بناء ثقة المواطنين في المؤسسات بدلاً من خلق سيناريوهات انتقائية تترك مسائل أوسع دون معالجة.
إن ما تكشفه قضية انتصار الحمادي وما شابها من ممارسات ليس مجرد مشهد فردي مؤلم، بل انعكاسٌ لأسلوب حكم يقوم على خنق الحريات باسم القيم، ويحول القانون إلى أداة للتقنين الاجتماعي القسري. وإذا لم تُواجه هذه الديناميكية بإصلاحات حقيقية – قضائية وأمنية واجتماعية – فإن المجتمع اليمني سيبقى عرضةً لدوامة من التصعيد الاجتماعي والعنف، وستبقى حريات الأفراد، وخصوصاً الحريات النسائية، تحت تهديد دائم ينعكس في النهاية على قدرة اليمن على التعافي وإعادة بناء مؤسساته.






