تبحث السعودية وسوريا إمكانية نشر قوات سورية في اليمن للمشاركة إلى جانب القوات الحكومية المدعومة من الرياض في الهجوم المضاد ضد جماعة الحوثيين، في خطوة، إذا تحولت إلى قرار فعلي، ستضيف لاعباً عسكرياً جديداً إلى واحدة من أكثر ساحات الصراع حساسية في المنطقة.
وبحسب ما نقلته «أكسيوس» عن مسؤولين أمريكيين، فإن الرئيس السوري أحمد الشرع يدرس الطلب السعودي بجدية، لكنه لم يتخذ قراراً نهائياً بشأنه حتى الآن. وتقول المصادر إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أُبلغت بالمناقشات، ولا تعارض من حيث المبدأ مشاركة سورية محتملة. Axios
ويأتي ذلك بالتزامن مع دخول الحرب في اليمن مرحلة أكثر حدة، بعدما أطلقت القوات الحكومية اليمنية، بدعم سعودي، عملية عسكرية واسعة لاستعادة مناطق يسيطر عليها الحوثيون، من بينها مناطق استراتيجية على ساحل البحر الأحمر ومحيط مضيق باب المندب. Reuters
طلب سعودي ودراسة سورية
وفق المصادر التي تحدثت إليها «أكسيوس»، طُرح موضوع مشاركة القوات السورية خلال اللقاء الذي جمع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالرئيس أحمد الشرع في الرياض مطلع الأسبوع.
وتريد الرياض، بحسب هذه المصادر، الاستفادة من القوات السورية لتعزيز القوات الحكومية اليمنية، التي تخوض المعارك ضد الحوثيين على جبهات واسعة.
ولا تزال المشاركة السورية المقترحة قيد الدراسة، لكن مسؤولاً أمريكياً قال إن احتمال موافقة دمشق على الطلب السعودي مرتفع.
وتشير تقارير أخرى، بينها تقرير لوكالة رويترز، إلى أن الخيارات التي تدرسها دمشق لا تقتصر بالضرورة على نشر قوات برية، وإنما قد تشمل أشكالاً أخرى من الدعم العسكري أو الدفاعي. ويعكس ذلك أن طبيعة المشاركة السورية النهائية لم تُحسم بعد. Reuters
بين 10 و20 ألف جندي؟
أكثر ما يلفت الانتباه في المقترح هو حجم القوة التي يمكن أن تشارك.
وبحسب مصدر مطلع على المناقشات نقلت عنه «أكسيوس»، يجري الحديث عن إمكانية إرسال ما بين 10 آلاف و20 ألف جندي سوري إلى اليمن.
وتشير المصادر إلى أن وحدات عسكرية سورية بعينها قيد البحث للمشاركة المحتملة، لكن هذه الأرقام والوحدات لا تزال جزءاً من نقاش لم يتحول إلى قرار رسمي معلن.
وفي حال تنفيذ انتشار بهذا الحجم، فلن يكون الأمر مجرد دعم رمزي للسعودية، بل سيكون تدخلاً عسكرياً سورياً مباشراً في حرب خارج الحدود، في وقت لا يزال فيه الجيش السوري نفسه في مرحلة إعادة بناء وإعادة تنظيم بعد سنوات الحرب الأهلية.
لماذا تريد السعودية قوات سورية؟
تبدو الحسابات السعودية مرتبطة بطبيعة المعركة الحالية أكثر من كونها مجرد توسيع للتحالف.
فالقوات الحكومية اليمنية المدعومة من الرياض بدأت هجوماً مضاداً واسعاً بهدف استعادة مناطق خسرها الجانب الحكومي، بما فيها مواقع ذات أهمية استراتيجية بالقرب من باب المندب.
ويمثل المضيق نقطة محورية للتجارة العالمية ولحركة ناقلات الطاقة، ولذلك فإن السيطرة على المناطق المحيطة به تمنح الطرف المسيطر وزناً عسكرياً واقتصادياً كبيراً. وقد جعلت القوات الحكومية اليمنية استعادة المناطق الساحلية والمضيق أحد الأهداف الرئيسية للعملية الحالية. Axios
وتشير التطورات الميدانية إلى أن القتال يتوسع بالفعل؛ فقد شهدت الأيام الأخيرة هجمات حوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بينها هجمات استهدفت مطار عدن، فيما واصلت القوات المدعومة من السعودية عملياتها البرية. Reuters
واشنطن تراقب.. من دون مشاركة مباشرة
اللافت في المقترح السوري أن واشنطن، وفق المصادر الأمريكية التي تحدثت إليها «أكسيوس»، لا تعارض من حيث المبدأ إرسال قوات سورية.
ويخدم هذا الخيار، من وجهة نظر المسؤولين الأمريكيين الذين نقلت عنهم الصحيفة، هدفاً مهماً: تعزيز العملية التي تقودها السعودية من دون اضطرار الولايات المتحدة إلى الانخراط عسكرياً بصورة أعمق.
وتأتي هذه النقطة في وقت تحاول فيه إدارة ترامب تجنب فتح جبهة عسكرية أمريكية مباشرة جديدة في اليمن.
وكانت واشنطن قد قدمت دعماً استخباراتياً ومعلومات متعلقة بالاستهداف للقوات المدعومة من السعودية، لكنها لم تنضم حتى الآن إلى العمليات القتالية المباشرة. Axios
وبحسب «أكسيوس»، جرى أيضاً التشاور مع القيادة المركزية الأمريكية CENTCOM بشأن كيفية نشر القوات السورية المحتملة، فيما لم تعلق واشنطن رسمياً على هذه المعلومات.
تركيا دخلت المعادلة أيضاً
لا تأتي المناقشات السعودية ـ السورية في فراغ إقليمي.
فتركيا تقدم بالفعل دعماً عسكرياً وفنياً ودفاعياً للسعودية في مواجهة الحوثيين، وفق مسؤولين تحدثوا إلى «رويترز». ويشمل ذلك، بحسب الوكالة، معدات عسكرية ومعلومات استخباراتية وأنظمة دفاع جوي ودعماً لوجستياً. Reuters
وبذلك، يمكن أن تتحول الحرب اليمنية تدريجياً من مواجهة بين الحوثيين والقوات الحكومية إلى ساحة تتداخل فيها السعودية وتركيا وسوريا، إلى جانب دعم أمريكي غير قتالي، في مواجهة الحوثيين وحلفائهم الإقليميين.
وهذا التطور هو ما يمنح المقترح السوري أهمية تتجاوز حدود اليمن.
البعد الطائفي.. أخطر ما في المقترح
إرسال قوات سورية إلى اليمن يحمل أيضاً حساسية خاصة بسبب التركيبة البشرية للقوات السورية الجديدة.
فجزء من القوات التي تشكلت بعد الحرب السورية يضم مقاتلين سابقين في فصائل المعارضة المسلحة، وبينهم مقاتلون أجانب ذوو خلفيات إسلامية سنية.
وفي المقابل، ينتمي الحوثيون إلى المذهب الزيدي الشيعي.
ولهذا يحذر بعض المسؤولين والمراقبين من أن إدخال تشكيلات سورية ذات خلفية سنية إلى الحرب قد يمنح الصراع بعداً طائفياً أكثر وضوحاً، بدلاً من بقائه في إطار صراع على السلطة والسيطرة الجغرافية والأمن الإقليمي.
وهذه النقطة تحديداً قد تكون من أكبر المخاطر السياسية لأي تدخل سوري مباشر.
فاليمن يعاني أصلاً من انقسامات سياسية وقبلية ومناطقية عميقة، وأي تحول إضافي في طبيعة الحرب قد يجعل التسوية السياسية أكثر صعوبة.
دمشق أمام اختبار صعب
بالنسبة إلى أحمد الشرع، لا يتعلق القرار فقط بالعلاقة مع السعودية.
فسوريا الخارجة من سنوات طويلة من الحرب تحتاج إلى إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والاقتصادية، كما أن إرسال آلاف الجنود إلى حرب خارجية قد يخلق أعباء سياسية وعسكرية كبيرة.
وفي الوقت نفسه، ترتبط دمشق بعلاقات متنامية مع الرياض، التي لعبت دوراً سياسياً واقتصادياً مهماً في دعم الحكومة السورية الجديدة.
ولهذا يبدو القرار بالنسبة إلى الشرع محكوماً بمعادلة دقيقة: الاستجابة لحليف إقليمي مهم من جهة، وتجنب التورط في حرب خارجية قد تستنزف الجيش السوري وتعيد إنتاج الانقسامات من جهة أخرى.
وتشير رويترز إلى أن المسؤولين السوريين يتعاملون بحذر مع فكرة التدخل، بسبب الأولويات الداخلية لسوريا والمخاطر السياسية والطائفية التي قد تترتب على الانخراط العسكري في اليمن. Reuters
حرب اليمن تتجاوز حدودها
يأتي هذا النقاش في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى اليمن.
فالمعارك الأخيرة تسببت بالفعل في موجة نزوح تجاوزت 200 ألف شخص منذ مطلع سبتمبر، وفق المنظمة الدولية للهجرة، في حين وصلت آلاف العائلات اليمنية إلى جيبوتي عبر البحر هرباً من القتال. Reuters
وفي الوقت نفسه، بات باب المندب أحد أهم محاور المواجهة، ما يجعل أي توسع عسكري جديد ذا تداعيات تتجاوز الداخل اليمني إلى أمن الملاحة والطاقة والتجارة الدولية.
ومن هنا، فإن دخول قوات سورية إلى الحرب ـ إذا حدث ـ لن يكون مجرد إضافة عسكرية إلى جبهة قائمة، بل قد يكون مؤشراً على تحول الحرب اليمنية إلى مواجهة إقليمية متعددة الأطراف.
ماذا لو أرسلت سوريا قواتها؟
إذا قررت دمشق بالفعل نشر آلاف الجنود في اليمن، فقد تتغير طبيعة الصراع على أكثر من مستوى: عسكرياً، ستكتسب القوات الحكومية المدعومة من السعودية قوة إضافية؛ وسياسياً، ستصبح الرياض قادرة على تقديم تدخلها باعتباره جزءاً من تحالف إقليمي أوسع.
لكن الوجه الآخر قد يكون أكثر تعقيداً: زيادة احتمالات التصعيد، توسيع دائرة الأطراف المنخرطة في الحرب، وإضفاء بعد طائفي على المواجهة، فضلاً عن احتمال تحول اليمن مجدداً إلى ساحة تنافس إقليمي مفتوح.
حتى الآن، لا يوجد قرار سوري معلن بإرسال قوات إلى اليمن. لكن مجرد بحث الخيار بين الرياض ودمشق، بالتزامن مع تصاعد العمليات العسكرية، يكشف أن الحرب اليمنية دخلت مرحلة جديدة قد لا تبقى فيها حدود الصراع محصورة داخل اليمن.






