Subscribe
الشرق الأوسط بوست
No Result
View All Result
  • الرئيسية
  • عالم
  • منوعات
  • ملفات فلسطينية
  • شرق أوسط
  • أفكار وآراء
  • إتصل بنا
  • الرئيسية
  • عالم
  • منوعات
  • ملفات فلسطينية
  • شرق أوسط
  • أفكار وآراء
  • إتصل بنا
No Result
View All Result
الشرق الأوسط بوست
No Result
View All Result
الرئيسية عالم

قيس سعيّد في عامه السابع… أين تمضي تونس؟

فريق التحرير فريق التحرير
24 أكتوبر، 2025
عالم
0
قيس سعيّد في عامه السابع… أين تمضي تونس؟
307
شارك
2.4k
مشاهدات
Share on FacebookShare on Twitter

سبع سنوات مضت منذ أن صعد قيس سعيّد إلى كرسي قرطاج، أستاذ القانون الدستوري الذي تحوّل إلى رئيسٍ قادم من خارج المشهد الحزبي التقليدي، حاملاً معه خطاباً شعبوياً غير مألوف في السياسة التونسية بعد الثورة. في أكتوبر 2019، خرجت الجماهير إلى الشوارع تحتفي بـ”رئيس الشعب” الذي وعد بإعادة السلطة إلى التونسيين، وإصلاح ما أفسدته سنوات الصراع الحزبي وتآكل الثقة في النخب.

لكن مع مرور الوقت، تحوّلت التجربة التي بُنيت على وعود العدالة والسيادة الشعبية إلى مشهد أكثر تعقيداً. فبين من يراه مخلّصاً من فوضى الأحزاب ومن يصفه بأنه أعاد تونس إلى مربع الحكم الفردي، أصبحت البلاد مرآةً لتناقضاتٍ عميقة بين الحلم بالاستقرار والخوف من تآكل مكتسبات الحرية. سبع سنوات كانت كافية لتغيير شكل الدولة، لكنها لم تكن كافية لتبديد سؤالٍ يزداد حضوراً في الشارع التونسي: هل أنقذ قيس سعيّد الثورة… أم أغلق بابها الأخير؟

من فصول الثورة إلى فردانية الحكم

منذ لحظة دخوله قصر قرطاج، بنى قيس سعيد مشروعه السياسي على سردية واضحة المعالم: «الشعب ضد المنظومة». كان يُقدّم نفسه باعتباره المعبّر الأصدق عن الإرادة الشعبية التي خذلتها الأحزاب والنخب والبرلمان. هذه الثنائية بين «الشعب» و«النظام» سرعان ما تحولت إلى محور الخطاب الرئاسي، وإلى أداة لإعادة صياغة الحياة السياسية وفق تصور أحادي يرى أن الديمقراطية ليست في تعدد المؤسسات، بل في وحدة الإرادة التي يجسدها الرئيس نفسه.

قد يهمك أيضا

صراع بكين والغرب.. هل يتحول بحر الصين الجنوبي إلى بؤرة صدام عالمي؟

طائرة ترامب القطرية تفجر أزمة بين البيت الأبيض ووسائل الإعلام الأمريكية

في صيف 2021، وفي ذروة أزمة صحية واقتصادية خانقة واحتجاجات اجتماعية متصاعدة، اتخذ سعيد قراره الأكثر جدلاً بتجميد البرلمان وإقالة الحكومة، مستنداً إلى تأويله الخاص للفصل 80 من الدستور. القرار جاء مفصلياً: بين من اعتبره «تصحيحاً لمسار الثورة» التي انحرفت عن أهدافها، ومن وصفه بـ«الانقلاب الدستوري» الذي أطاح بما تبقى من التجربة الديمقراطية الوحيدة في العالم العربي بعد 2011.

منذ تلك اللحظة، دخلت تونس مرحلة جديدة، طُبعت بتغير عميق في فلسفة الحكم. لم يعد النظام يقوم على توازن السلطات، بل على مركزية القرار في يد واحدة. تمّ تعليق الدستور عملياً ثم تغييره عبر استفتاء في صيف 2022، وُضع بموجبه نظام رئاسي شبه مطلق أعاد تعريف العلاقة بين الرئاسة وبقية المؤسسات. البرلمان الجديد، المنتخب بنسبة مشاركة لم تتجاوز 11 %، تحوّل إلى غرفة صامتة بلا وزن سياسي حقيقي، بينما تراجع دور الأحزاب والنقابات أمام خطاب رسمي يقدّس «الشعب» كمفهوم مجرّد دون وسائط تنظيمية.

هذا التحول لم يكن مجرد تعديل دستوري بل إعادة هندسة كاملة للمشهد السياسي، إذ أُعيد رسم قواعد اللعبة على مقاس الرئاسة. تمّ حلّ المجلس الأعلى للقضاء، وتعديل النظام الانتخابي، وإعادة ترتيب الإدارة المحلية عبر لجان قاعدية تعبّر عن «التمثيل المباشر» الذي يراه سعيد بديلاً عن التمثيل الحزبي التقليدي. غير أن هذه الرؤية، التي أرادها الرئيس تجسيداً للديمقراطية القاعدية، أفرزت واقعاً مغايراً: عزلة مؤسساتية، وإدارة متضخمة بالولاء، ومشهد سياسي يُدار بخطاب واحد وقرارات فوقية لا تجد دائماً طريقها إلى التنفيذ.

في جوهرها، تحولت فلسفة الحكم من ديمقراطية ناشئة تبحث عن التوازن، إلى سلطة رئاسية مكتملة الأدوات لكنها محدودة الفعالية. ورغم أن أنصار سعيد يرون في هذه الصيغة ضمانة للقرار الوطني الحرّ وإعادة لهيبة الدولة، فإن خصومه يعتبرونها عودة إلى المركزية القديمة بثوبٍ جديد، حيث يُختزل الشعب في شخص الرئيس، وتُختزل الدولة في إرادة واحدة تُقرّر وتفسّر وتحاسب في الوقت نفسه.

الاقتصاد بين السيادة والعجز

اقتصاديًا، تعيش تونس في عهد قيس سعيد معادلة معقّدة: من جهة خطابٌ يركّز على «السيادة الاقتصادية» ورفض «الإملاءات الخارجية»، ومن جهة أخرى أرقامٌ ووقائع تُظهر هشاشة كبيرة في النمو والتشغيل والقدرة الشرائية. يفيد تقرير البنك الدولي بأن الاقتصاد التونسي نما بنسبة 1.4 ٪ فقط في عام 2024، بعد تعثّر زاد عن «الصفر تقريبًا» في 2023، ما يضع البلاد بعيدًا عن زخم دول شمال أفريقيا المجاورة. Open Knowledge Warehouse+1 وللعام 2025 تُشير توقعات البنك إلى نمو بحدود 1.9 ٪، وهو رقم متواضع للغاية في ظل التحديات المتراكمة. World Bank+1

على مستوى البطالة، تُظهر بيانات رسمية أن نسبة البطالة استقرت عند 15.7 ٪ في الربع الأول من 2025، ثم تراجعت قليلاً إلى 15.3 ٪ في الربع الثاني. Trading Economics+1 لكن هذا «استقرار» يأتي مع قراءة أقل تفاؤلاً إذا انتقلنا إلى أبعاد الفئات الشبابية والحاصلة على الشهادات العليا: نسبة بطالة الحاصلين على التعليم العالي بلغت 24.0 ٪ في الربع الثاني من 2025، مقارنة بـ 23.5 ٪ في الربع السابق، مع فجوة كبيرة بين الرجال (14.2 ٪) والنساء (31.3 ٪). African Manager+1

أمّا التضخم، فبعد أن تجاوز 8 ٪ في السنوات السابقة، عاد ليتراجع تدريجياً. يُشير تقرير البنك الدولي إلى انخفاض معدل التضخم إلى نحو 5.9 ٪ بحلول مارس 2025. World Bank+1 ورصدت بيانات من مصادر اقتصادية انخفاضًا إضافيًا إلى نحو 5.0 ٪ في سبتمبر 2025، وهو أدنى مستوى منذ 2021. Trading Economics ومع ذلك، فإن ضعف التطور الاقتصادي يجعل كل نقطة مئوية من التضخم تؤثر بشدة على القدرة الشرائية، خاصة للفئات الضعيفة والمتوسطة.

في ظل هذه المعطيات، يظل التحدي المركزي هو ترجمة الشعارات الكبرى (العدالة الجهوية، إعادة توزيع الثروة، مكافحة الاحتكار) إلى إصلاحات هيكلية قابلة للقياس. صحيح أن الرئيس رفض شروطًا لصندوق النقد الدولي رفضًا لمسّ السيادة الوطنية، لكن غياب برنامج إنعاش واضح شامل يجعل البلاد أمام مأزق التمويل والاعتماد على الدين وتحرير مُحدَود للأسواق. IMF+1 وقد حذّرت جهات تحليلية من أن الاستثمار الخاص والخاص الأجنبي يبقيان ضعيفين بسبب المناخ السياسي وغير المؤسس، الأمر الذي يُعيق أي دفعة حقيقية لخلق فرص الشغل وتنشيط الاقتصاد. Coface+1

باختصار، بدأ الحكم في عهد سعيد بتعهدات كبيرة لتفعيل السيادة الاقتصادية وتحسين الأوضاع المعيشية، لكن ما نراه اليوم هو اقتصاد بمقاسات نمو منخفضة، وبطالة مرتفعة، وتطلّعات جامحة لشباب ينتظر أن تتحول سياسات «السيادة» إلى فرص شغل وكرامة وليس فقط إلى شعار يُردَّد في الخطاب.


القضاء تحت المجهر

 جعل قيس سعيد من ملف القضاء محوراً مركزياً في مشروعه السياسي، معلناً ما وصفه بـ”المعركة من أجل تطهير العدالة من الفساد”. وفي خطوة صادمة للمشهد التونسي، قرر في فبراير 2022 حلّ المجلس الأعلى للقضاء، المؤسسة التي كانت تمثل الضامن الدستوري لاستقلال السلطة القضائية، وعيّن بدلاً منها مجلساً مؤقتاً تحت إشراف مباشر من رئاسة الجمهورية. اعتبر الرئيس أن الخطوة “تصحيح لمسار العدالة” بعد أن تحولت، على حد قوله، إلى “سلطة داخل السلطة”، فيما رآها القضاة ومنظمات المجتمع المدني بداية لتقويض أحد أهم مكاسب ما بعد الثورة.

تحت هذا التحول، تغيّر وجه العدالة التونسية جذرياً. فقد أصبح القضاة يعملون في بيئة مشحونة بالضغوط السياسية والإدارية، وتكررت الإعفاءات من دون مسارات تأديبية شفافة، وأُحيل عشرات القضاة على التحقيق أو العزل بقرارات رئاسية مثيرة للجدل. بعضهم أُعيد لاحقاً إلى مناصبهم بقرارات قضائية، لكن الظلال التي تركتها تلك الأزمة على الجسم القضائي ما زالت ثقيلة، إذ زرعت الخوف وأضعفت روح الاستقلال المهني التي كانت من أبرز مكاسب العقد الماضي.

تقارير منظمات دولية، مثل الاتحاد الدولي للقضاة وهيومن رايتس ووتش، أشارت إلى تراجع ملموس في مؤشر استقلال القضاء في تونس، محذّرة من “خطر إعادة إخضاع العدالة للسلطة التنفيذية”، وهو ما يتناقض مع روح دستور 2014 الذي جعل القضاء سلطة مستقلة لا مجرد وظيفة من وظائف الدولة. حتى بعد اعتماد الدستور الجديد عام 2022، الذي أعاد تعريف العلاقة بين السلطات، ظل الجدل قائماً حول ما إذا كانت النصوص الجديدة تمهّد لبناء عدالة أكثر نجاعة أم تمكّن لرئاسة قوية لا تُراجع.

المفارقة أن قيس سعيد، الذي كان يوماً مدافعاً شرساً عن الشرعية الدستورية حين كان أستاذاً للقانون، أصبح في نظر معارضيه أبرز من وسّع سلطاته على حساب مؤسسات تلك الشرعية نفسها. فالمعركة التي رُفعت شعاراتها ضد “الفساد القضائي” تحوّلت في نظر كثيرين إلى صراعٍ أعمق بين منطق الدولة القانونية ومنطق الدولة الفردية، بين العدالة بوصفها سلطة مستقلة، والعدالة كأداة لتأديب الخصوم وتصفية الحسابات السياسية.

ورغم أن شريحة من الرأي العام ما تزال ترى في قرارات الرئيس خطوة شجاعة لإصلاح جهازٍ أنهكته الرشوة والمحسوبية، إلا أن تراجع الثقة في القضاء بات واقعاً مقلقاً، إذ فقد المواطن الإحساس بأن المحكمة فضاء للفصل المحايد بين المواطن والدولة. وبين الخطاب الذي يتحدث عن “تطهير المنظومة” والممارسة التي توسّع نفوذ السلطة التنفيذية، أصبح القضاء في تونس ميداناً لاختبار مستقبل الدولة نفسها: هل تسير نحو سيادة القانون، أم نحو قانون السيادة؟

الحرّيات بين الخطاب والممارسة

من بين كل الملفات التي طبعت عهد قيس سعيد، يبقى ملف الحريات العامة الأكثر إثارة للجدل، والأكثر تعبيراً عن المفارقة بين الخطاب والممارسة. فمنذ اعتلائه سدة الحكم، لم يتوقف الرئيس عن التأكيد أن “حرية التعبير مكسب لا رجعة فيه”، لكنه في المقابل وضع ضوابط لهذه الحرية اعتبرها “حماية من الفوضى والأكاذيب”. ومع مرور السنوات، بدا أن هذه الضوابط تتسع حتى ضاقت معها مساحة النقد والمساءلة.

شهدت تونس منذ عام 2021 موجة من التتبعات القضائية ضد صحفيين، ونقابيين، وسياسيين، وناشطين مدنيين، بتهم تتراوح بين “نشر الأخبار الكاذبة” و”التآمر على أمن الدولة” و”الإساءة إلى رئيس الجمهورية”. كثير من هذه القضايا وُصفت من قبل منظمات حقوقية محلية ودولية بأنها محاكمات صورية تفتقر إلى مقومات المحاكمة العادلة، وتستند إلى نصوص قانونية فضفاضة أُعيد تفعيلها بعد أن جُمّدت لسنوات ما بعد الثورة.

تحت هذا المناخ، تراجع حضور الأصوات المستقلة في المشهد الإعلامي، وأصبح كثير من الصحفيين يمارسون نوعاً من الرقابة الذاتية خشية الملاحقة أو الإقصاء. البرامج السياسية خفّ بريقها، والجدل العام خضع لمعادلة جديدة تقوم على الولاء أو الاتهام. حتى النقاشات الأكاديمية والجامعية، التي كانت منابر حرة بعد الثورة، فقدت حيويتها تحت ضغط الخوف واللامبالاة.

المنظمات الحقوقية الدولية، من بينها “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية”، تحدّثت عن تراجع مقلق في مناخ الحريات وعن ميلٍ متسارع لإعادة هندسة المجال العام تحت سلطة الرئاسة. فبدل التعددية التي ميّزت العقد الأول بعد الثورة، صار الرأي الواحد هو السائد في الخطاب الرسمي، فيما يُنظر إلى النقد على أنه تهديد للدولة لا حقّ دستوري للمواطن.

اللافت أن هذا التراجع لم يأتِ في سياق مواجهة أمنية أو اضطراب داخلي، بل في مرحلة كان يُفترض أن تشهد استقراراً مؤسسياً بعد “تصحيح المسار”. غير أن الواقع أفرز مشهداً معاكساً: اعتقالات، محاكمات متكرّرة، وعودة لغة التخوين إلى القاموس السياسي والإعلامي. باتت المحاكمات التي تُعقد في قضايا الرأي أشبه بعروض رمزية لتأديب المعارضين وإرسال رسائل سياسية أكثر منها تحقيقاً للعدالة.

الشارع المنقسم بين مؤيدٍ ومنتقد

الانقسام الشعبي بات السمة الأوضح للمشهد التونسي بعد سبع سنوات من حكم قيس سعيد. فمن جهة، هناك من يراه «المنقذ من فوضى الأحزاب» و«الرجل النظيف» الذي واجه الطبقة السياسية التقليدية بشجاعة نادرة، معلناً حرباً على الفساد والمصالح الضيقة التي كبّلت البلاد لسنوات. أنصاره يرون فيه زعيماً صادقاً، لا يخشى الصدام مع النخب ولا يساوم في القضايا الوطنية، ويعتقدون أن البلاد كانت بحاجة إلى قبضة قوية تعيد للدولة هيبتها بعد عقد من التجاذبات والانقسامات.

لكن على الضفة الأخرى، يزداد صف المنتقدين اتساعاً، وهم الذين يرون أن الرئيس حوّل معركة «استعادة الدولة» إلى مشروعٍ لإقصاء الآخر، وأن إغلاق البرلمان وحلّ الهيئات المنتخبة لم يكن تصحيحاً للمسار بقدر ما كان عودة تدريجية إلى الحكم الفردي. بالنسبة لهؤلاء، تحولت الوعود بالكرامة إلى واقعٍ من التدهور المعيشي وتراجع الحريات، وغابت لغة الحوار لصالح خطابٍ شعبوي يحمّل الجميع مسؤولية الانهيار عدا رأس السلطة.

هذا الانقسام لا يعكس مجرد خلافٍ سياسي، بل أزمة ثقة أعمق بين المواطن ومؤسسات الدولة. فالتونسي الذي خرج قبل أكثر من عقد مطالباً بالشغل والحرية والكرامة الوطنية، يشعر اليوم بأن السياسة لم تعد وسيلة لتحقيق مطالبه بل مرآة لعجزه وخيباته. المشهد في الشارع لم يعد يُترجم فقط في صناديق الاقتراع، بل في موجات الإحباط التي تتجلى في عزوفٍ متزايد عن المشاركة السياسية، وفي احتجاجات متفرقة لا يجمعها حزب ولا أيديولوجيا، بل وجعٌ اقتصادي واحد.

من عمال البلديات إلى أساتذة التعليم وموظفي الإدارات، تتسع رقعة الغضب في ظل تضخمٍ يلتهم الدخل، وبطالةٍ تلاحق الشباب، وانكماشٍ في أفق الحلول. ورغم ذلك، لا تجد هذه الاحتجاجات صدى حقيقياً داخل أروقة القرار، إذ يتقلص هامش الحوار بين السلطة والمعارضة إلى بيانات متبادلة وخطابات متشنجة.

وبين المؤيد الذي يرى في قيس سعيد آخر جدار يحمي الدولة من الانهيار، والمعارض الذي يراه سبباً مباشراً في تفاقم أزماتها، تظل تونس رهينة هذا الانقسام الصامت، الذي يضعها في حالة توتر دائم بين حلم الاستقرار وخشية الانغلاق. إنها لحظة دقيقة في تاريخ البلاد، حيث تبدو كل الأطراف متعبة، والشعب أكثر انتظاراً من أي وقت مضى لحوارٍ يعيد للسياسة معناها وللثقة العامة حياتها.

الدبلوماسية الصامتة… بين السيادة والعزلة

على الصعيد الخارجي، تبنّت تونس في عهد قيس سعيد سياسة “الصوت الهادئ”، التي تقوم على الانكفاء النسبي والتركيز على الداخل أكثر من الانخراط في التحالفات أو الأزمات الإقليمية. هذا التحول لم يكن مجرد خيار دبلوماسي، بل انعكاس مباشر لنهج الرئيس في الحكم: خطاب سيادي صارم، قائم على فكرة أن “الاستقلال الحقيقي يبدأ من الداخل”، وأن السيادة لا يمكن أن تكون منقوصة برعاية خارجية أو وصاية اقتصادية.

مع الجزائر، ربط سعيد علاقة تقوم على الثقة السياسية والتنسيق الأمني العميق، حتى باتت الجزائر أقرب حليف لتونس في ملفات الطاقة والحدود ومكافحة الإرهاب. العلاقة لم تخلُ من حساسية موازين القوى، لكنها وفرت لتونس سنداً إقليمياً في لحظة كانت فيها علاقاتها مع بعض العواصم الغربية تمرّ بفتور ملحوظ. في المقابل، ظلت تونس تتعامل مع الاتحاد الأوروبي ببراغماتية حذرة: قبول بالمساعدات المشروطة، ورفض لأي تدخل في السياسات الداخلية، خاصة في ملفات الهجرة وحقوق الإنسان. وهو ما جعل بروكسل تنظر إلى سعيد كشريك “صعب”، لكن لا غنى عنه في ضبط ضفة المتوسط الجنوبية.

أما في الفضاء العربي، فحافظت تونس على موقف متوازن من الصراعات الكبرى: لا انحياز لمحور، ولا عداء معلن لأي طرف. تجاه الأزمة الليبية، واصلت دعم المسار الأممي مع تجنّب الاصطفاف خلف أي طرف عسكري. وفي القضية الفلسطينية، رفع سعيد سقف الخطاب الرسمي إلى مستويات غير مسبوقة منذ الثورة، مقدماً نفسه كصوت عربي نقي ضد التطبيع، ما أكسبه تعاطفاً واسعاً في الشارع العربي رغم محدودية التأثير العملي.

لكنّ هذا الانكماش الخارجي كان له ثمن. فمع انشغال الدولة بأزماتها الاقتصادية والسياسية، تراجع حضور تونس في المحافل الإقليمية والدولية. لم تعد محور النقاشات في الاتحاد الإفريقي كما كانت قبل عقد، ولم تعد تُقدَّم في الإعلام الدولي بوصفها “نموذج التحول الديمقراطي العربي”، بل بوصفها دولة تبحث عن توازن جديد بين السيادة والاستقرار. هذا التحوّل من مركز الضوء إلى الظل يعكس بوضوح تراجع وزنها الدبلوماسي في زمنٍ صارت فيه السياسة الخارجية امتداداً للأزمة الداخلية أكثر من كونها أداة لتوسيع النفوذ أو بناء التحالفات.

ورغم ذلك، يصرّ قيس سعيد على الدفاع عن نهجه الخارجي بوصفه “عودةً إلى روح الاستقلال الأولى”، إذ يرى أن تونس يجب أن تتحرر من منطق “الوكالة السياسية” للغرب، وأنها قادرة على إدارة علاقاتها وفق مصالحها لا وفق إملاءات الآخرين. هذا الخطاب الوطني الصلب يمنحه تأييداً شعبياً معتبراً في الداخل، خصوصاً لدى الطبقات التي ترى في الاستقلالية السياسية تعويضاً معنوياً عن الإخفاق الاقتصادي.

ومع أن هذه المقاربة تمنح لتونس نوعاً من الكرامة الدبلوماسية في خطابها الرسمي، إلا أنها في المقابل عمّقت عزلتها الفعلية في محيطٍ دولي لا يرحم الضعفاء. فبين السيادة والعزلة، تمشي الدبلوماسية التونسية على حبلٍ مشدود، حيث الكرامة الوطنية تتحول أحياناً إلى سياسة صمت، وحيث الدفاع عن الاستقلال يتحول إلى انكفاء يحدّ من الدور والقدرة على التأثير.

سبع سنوات من الحكم… ميزان المكاسب والخيبات

اليوم، وبعد سبع سنوات من وصوله إلى قصر قرطاج، يقف قيس سعيد أمام معادلة معقدة: رئيس يملك كل الصلاحيات تقريباً، لكنه يرأس بلداً يزداد هشاشة في اقتصاده وتململاً في مجتمعه وتعباً في مؤسساته. تونس التي وُعدت في 2019 بمرحلة جديدة من “تصحيح المسار” لم تستطع أن تُحقّق بعد وعودها الكبرى، ولا أن تترجم طموح الثورة إلى واقعٍ ملموس.

في الميدان الاقتصادي، تتكاثر مؤشرات الإنهاك: تضخم يضغط على الفئات الضعيفة، بطالة تلتهم أحلام الشباب، واستثمارات غائبة تنتظر ثقة لم تعد مضمونة. أما في الميدان السياسي، فالتعددية التي كانت يوماً مفخرة التجربة التونسية، تراجعت أمام مركزية القرار الرئاسي الذي بات يمسك بكل الخيوط. بين المؤسسات التي تعمل تحت مظلة الولاء، والمعارضة التي تئن تحت عبء الانقسام والملاحقات، أصبح المشهد السياسي أشبه بغرفة مغلقة يملؤها الصمت أكثر مما يملؤها الحوار.

لكن المفارقة الكبرى تكمن في أن خطاب “الشعب يريد” الذي رفعه سعيد منذ أول يوم ما زال صداه يتردد في الشارع التونسي من دون أن يتحول إلى إنجازات ملموسة. فالشعب الذي أراد الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لا يزال ينتظر أن يرى هذه الشعارات وقد نزلت من سماء الخطابات إلى أرض الواقع. تطلعات التونسيين إلى الشغل والكرامة والديمقراطية لم تُدفن، لكنها مؤجلة في انتظار توازن جديد بين السلطة والمجتمع، بين الدولة والمواطن، وبين الحلم والقدرة على تحقيقه.

ومع ذلك، تبقى تجربة قيس سعيد حالة فريدة في العالم العربي: رئيس خرج من رحم الغضب الشعبي، وأعاد تعريف مفاهيم الشرعية والسيادة بأسلوبه الخاص، وجعل من السياسة خطاباً أخلاقياً أكثر منه برنامجاً اقتصادياً. غير أن التاريخ لا يحكم بالنوايا، بل بالنتائج، وتونس اليوم تقف على حافة مفترقٍ جديد، بين أن تستعيد روح ثورتها الأولى أو أن تدخل مرحلة من الجمود الطويل باسم الاستقرار.

سبع سنوات كانت كافية لتغيير ملامح الدولة، لكنها لم تكن كافية لتغيير واقع المواطن. وبين من يرى في الرئيس حارساً لسيادة القرار الوطني ومن يعتبره عنواناً لعودة الفرد إلى مركز السلطة، تظل تونس في انتظار لحظة تلتقي فيها السيادة بالحرية، والعدالة بالكرامة، والشعب بالإرادة التي من أجلها ثار يوماً وقال: “الشعب يريد”.

محتوى ذو صلة Posts

صراع بكين والغرب.. هل يتحول بحر الصين الجنوبي إلى بؤرة صدام عالمي؟
عالم

صراع بكين والغرب.. هل يتحول بحر الصين الجنوبي إلى بؤرة صدام عالمي؟

12 يوليو، 2026
طائرة ترامب القطرية تفجر أزمة بين البيت الأبيض ووسائل الإعلام الأمريكية
عالم

طائرة ترامب القطرية تفجر أزمة بين البيت الأبيض ووسائل الإعلام الأمريكية

12 يوليو، 2026
تحقيق يكشف صراعًا داخل إدارة ترامب حول الهجرة وحدود استخدام السلطة
عالم

تحقيق يكشف صراعًا داخل إدارة ترامب حول الهجرة وحدود استخدام السلطة

11 يوليو، 2026
حرائق إسبانيا جرس إنذار.. تغير المناخ يفرض واقعًا جديدًا على أوروبا
عالم

حرائق إسبانيا جرس إنذار.. تغير المناخ يفرض واقعًا جديدًا على أوروبا

11 يوليو، 2026
أزمة مضيق هرمز.. أوروبا تبحث عن تسوية وإيران تتمسك بشروطها
عالم

أزمة مضيق هرمز.. أوروبا تبحث عن تسوية وإيران تتمسك بشروطها

11 يوليو، 2026
الساحل الإفريقي أمام اختبار جديد.. مالي تكسر الحصار والصراع يتواصل
عالم

الساحل الإفريقي أمام اختبار جديد.. مالي تكسر الحصار والصراع يتواصل

11 يوليو، 2026
الشرق الأوسط بوست

تابع آخر أخبار الشرق الأوسط والعالم لحظة بلحظة عبر الشرق الأوسط بوست. تغطية إخبارية شاملة، تحليلات سياسية، اقتصاد، تكنولوجيا، رياضة وتقارير حصرية من مصادر موثوقة.

  • الرئيسية
  • عالم
  • منوعات
  • ملفات فلسطينية
  • شرق أوسط
  • أفكار وآراء
  • إتصل بنا

تابعنا

Welcome Back!

Login to your account below

Forgotten Password?

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Log In
No Result
View All Result
  • الرئيسية
  • عالم
  • منوعات
  • ملفات فلسطينية
  • شرق أوسط
  • أفكار وآراء
  • إتصل بنا

Not enough quota to unlock this post
Unlock left : 0
Are you sure want to cancel subscription?
We use cookies to ensure that we give you the best experience on our website. If you continue to use this site we will assume that you are happy with it.