مع اقتراب عيد الفطر هذا العام، يجد الفلسطينيون في الضفة الغربية أنفسهم أمام واقع صعب يمزج بين الضغوط الاقتصادية والتوترات السياسية والأمنية. الغلاء المتزايد وانقطاع الرواتب، إلى جانب استمرار اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين، فرضت قيودًا على مظاهر الاحتفال بالعيد، لتقلص من قدرة المواطنين على شراء الضروريات وخلق أجواء الفرح المعتادة.
ورغم ذلك، يصر الفلسطينيون على الحفاظ على طقوس العيد، خاصة للأطفال، محاولةً إدخال شعور بالفرحة والحياة وسط يوميات ملؤها القلق والترقب. هذه الصورة تعكس صمود الفلسطينيين وتمسكهم بالهوية الثقافية والدينية، حتى في أصعب الظروف.
أوضاع اقتصادية صعبة
وألقت التوترات الإقليمية والحرب على إيران إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة بظلالها على تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين، بما في ذلك استعداداتهم للعيد. ورغم ذلك، لا تغيب الحركة بالكامل، إذ يواصل المواطنون التوافد إلى الأسواق، لكن بقدرة شرائية محدودة، مكتفين بشراء الضروريات في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من مظاهر العيد، خصوصا في ما يجلب البهجة إلى أطفالهم.
تعيش الضفة الغربية إغلاقات متكررة وأوضاعا اقتصادية صعبة، منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وسط قيود واقتحامات إسرائيلية يومية واعتداءات للمستوطنين. كما أن القطاع العام الحكومي لم يتلق منذ عدة سنوات رواتب منتظمة وكاملة، فيما يأمل الموظفون أن تصرف الحكومة الفلسطينية لو جزءا من راتب شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي قبل عيد الفطر، وهو ما لم يحدث بعد.
بدأت إسرائيل، منذ 2019، باقتطاع مبالغ من أموال الضرائب الفلسطينية (المقاصة) بذرائع مختلفة، ثم توقفت عن تحويلها للحكومة الفلسطينية منذ 9 أشهر، ما أدخل الأخيرة بأزمة مالية جعلتها عاجزة عن دفع رواتب موظفيها كاملة. وأموال المقاصة هي ضرائب على السلع المستوردة إلى الجانب الفلسطيني، تجمعها إسرائيل لصالح السلطة الفلسطينية، لكن إسرائيل تستخدمها أداة ضغط سياسي عبر الاقتطاعات والاحتجاز. حسب عرب 48.
مواطن فلسطيني: نحاول إسعاد أطفالنا
ويشير الفلسطينيون في الضفة إلى أن الحركة التجارية في الأسواق نشطة نسبيا، لكنها دون السنوات السابقة بكثير. ويأتي ذلك في وقت تواصل إسرائيل أعمالها العسكرية في الضفة الغربية منذ بدء حربها على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، بما يشمل القتل والاعتقال والتهجير والتوسع الاستيطاني.
ووفق معطيات فلسطينية، أسفرت تلك العمليات عن استشهاد ما لا يقل عن 1133 فلسطينيا وإصابة نحو 11 ألفا و700 آخرين، إضافة إلى اعتقال قرابة 22 ألفا في الضفة الغربية المحتلة، يشمل القدس الشرقية.
وقال أيهم قرعان، وهو أحد المتسوقين بالمدينة، إن العيد هذا العام يأتي في ظروف استثنائية “ندرك معنى العيد، لكن الأوضاع التي نعيشها صعبة، سواء على الصعيد الداخلي أو الإقليمي، ومع ذلك لا يمكن أن يمر العيد دون أن نحاول إسعاد أطفالنا. أتيت إلى السوق لأشتري أشياء بسيطة لأطفالي، ليس أكثر، الأطفال لا ينظرون إلى كل هذه التعقيدات، بل يريدون أن يشعروا بفرحة العيد”.
التمسك بالحياة في أصعب الظروف
وأكد نادر عثمان أن الأجواء العامة هذا العام تختلف بوضوح عن السنوات السابقة، مبينا أن مدينة رام الله باعتبارها المركز التجاري الأبرز في الضفة الغربية، تشهد حركة أضعف من المعتاد “هناك حالة من القلق تسود الشارع، ليس فقط بسبب الأوضاع في الضفة الغربية، بل أيضا نتيجة استمرار الحرب في قطاع غزة، إلى جانب التوترات الإقليمية، بما فيها التصعيد بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. كل ذلك ينعكس مباشرة على نفسية الناس وحركتهم”.
ورغم هذا المشهد القاتم، يلفت عثمان إلى أن العيد يظل مناسبة دينية واجتماعية لا يمكن التخلي عنها، قائلا “العيد سنّة دينية وفرصة لصلة الأرحام، والناس تحاول رغم كل شيء أن تخلق مساحة من الفرح، خاصة للأطفال”.
وتابع قائلا “الفلسطيني بطبيعته يتمسك بالحياة، وحتى في أصعب الظروف يحاول أن يصنع لحظة فرح، ولو كانت بسيطة. هذا جزء من صموده اليومي”.
الفلسطينيون يتمسكون بطقوس العيد
فيما تعكس نعمة عثمان جانبا آخر من الصورة، إذ تشير إلى تراجع واضح في مظاهر العيد مقارنة بالسنوات الماضية، قائلة “الفرحة لم تعد كما كانت، في السابق كان العيد يحمل بهجة أكبر، أما اليوم فالوضع مختلف. نأتي إلى السوق لشراء الأساسيات فقط، مثل المواد الغذائية وبعض الاحتياجات البسيطة. الوضع المادي صعب على الجميع، وهناك عائلات لا تستطيع تلبية كل متطلبات العيد. هناك حزن عام بسبب ما يجري، سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية، وهذا ينعكس على أجواء العيد”.
ومع ذلك، يتمسك كثير من الفلسطينيين بطقوس العيد، ولو بحدها الأدنى، باعتبارها مساحة إنسانية ضرورية في مواجهة الضغوط اليومية، ومحاولة للحفاظ على ما تبقى من مظاهر الحياة الطبيعية. وبينما تغيب مظاهر البذخ والإنفاق الواسع عن الأسواق هذا العام، تحضر محاولات بسيطة لإبقاء العيد حاضرا في تفاصيل الحياة، خاصة لدى الأطفال، الذين يبقون الدافع الأول لكل هذه الاستعدادات، ولو كانت محدودة.




