في ضوء الاتصالين الهاتفيين اللذين أجراهما الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند، يبرز بوضوح أن الدبلوماسية الفلسطينية تتحرك على أكثر من مستوى في محاولة لتعبيد الطريق أمام المؤتمر الدولي للسلام المزمع عقده في نيويورك يوم 22 سبتمبر الجاري.
هذا المؤتمر، الذي تتشارك في قيادته فرنسا والسعودية بدعم من تحالف دولي واسع، يمثل بالنسبة للقيادة الفلسطينية محطة مفصلية لتثبيت مكانة فلسطين السياسية والدبلوماسية على الساحة الدولية، وإعادة طرح مشروع الدولة الفلسطينية كخيار وحيد لإنهاء الصراع.
إطلاق برنامج إصلاح وطني شامل
من خلال المداولات مع ماكرون، حرص الرئيس عباس على التأكيد بأن فلسطين تتعامل مع المؤتمر بوصفه فرصة استراتيجية، وليست مجرد لقاء بروتوكولي. لذلك أعاد التشديد على الالتزامات التي قطعتها القيادة الفلسطينية مسبقاً، والتي وردت في الرسالة الموجهة لرئاسة المؤتمر في يونيو الماضي، بما في ذلك إطلاق برنامج إصلاح وطني شامل، والالتزام بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في عام 2026 بعد انتهاء الحرب، والشروع في صياغة دستور مؤقت خلال ثلاثة أشهر بما يسمح بتحديث القوانين وبالأخص قانون الانتخابات، بحيث ينسجم مع متطلبات الشرعية الدولية والمكانة الجديدة التي تسعى فلسطين لتثبيتها.
هذه الإشارات لا تقتصر على كونها تعهدات إصلاحية داخلية، بل هي رسائل موجهة للمجتمع الدولي بأن السلطة الفلسطينية تسعى لاستعادة زمام المبادرة وتأكيد أهليتها لتحمل مسؤولياتها كدولة، بما في ذلك في قطاع غزة، مع التشديد على مبدأ “دولة واحدة، قانون واحد، وسلاح واحد”. في هذا السياق، جاء موقف عباس حاسماً تجاه حركة حماس حين أكد أنه “لا دور لها” في مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وأن عليها تسليم سلاحها للسلطة، في إشارة إلى رفض استمرار ظاهرة التعددية المسلحة التي تعيق بناء الدولة.
خطورة السياسات الإسرائيلية
الاتصال مع ماكرون تضمن أيضاً بعداً إقليمياً ودولياً، حيث جرى بحث خطورة السياسات الإسرائيلية الأحادية، خاصة الاستيطان وإرهاب المستوطنين ومحاولات ضم الضفة الغربية والقدس الشرقية، وهي ملفات تمثل محور خلاف جوهري مع المجتمع الدولي الذي يرى في هذه الممارسات خرقاً سافراً للقانون الدولي. وفي مقابل ذلك، شكر عباس فرنسا على دورها القيادي المشترك مع السعودية في التحضير للمؤتمر، وعلى الجهود المبذولة لحشد اعترافات أوسع بدولة فلسطين، والدفع نحو خطوات “لا رجعة فيها” لإنهاء الاحتلال وتنفيذ حل الدولتين.
أما الاتصال الثاني مع وزيرة خارجية كندا فقد عكس البعد العملي المرتبط بتجهيزات المؤتمر، لكنه أضاف جانباً إنسانياً ملحاً ركز عليه الرئيس الفلسطيني، حين أكد أن الأولوية الآنية تظل وقف إطلاق النار في غزة، إدخال المساعدات الإنسانية العاجلة، ووقف سياسة التجويع، إلى جانب إطلاق سراح الأسرى والرهائن. هذا البعد الإنساني يتقاطع مع السياسي، إذ يقدّم صورة عن السلطة الفلسطينية كجهة مسؤولة تسعى لتحقيق الاستقرار وحماية المدنيين، بالتوازي مع وعود الإصلاح السياسي والاقتصادي التي تشمل تحديث التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية.
ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل
تأتي هذه التحركات في لحظة حرجة، إذ يواجه الفلسطينيون في الضفة الغربية تصعيداً خطيراً في الاستيطان وأعمال العنف من قبل المستوطنين، إلى جانب إجراءات الضم التي يحذر عباس من خطورتها على مستقبل أي عملية سلام. ومن هنا يظهر المؤتمر كمنصة سياسية قد تشكل نقطة تحول، إن تمكنت القيادة الفلسطينية من تحويله إلى رافعة دولية تفرض إطاراً للحل السياسي يستند إلى الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.
يمكن القول إن عباس يحاول أن يوازن بين عدة أولويات: تعزيز الشرعية الدولية لدولة فلسطين، تقديم التزامات إصلاحية جادة لإقناع المجتمع الدولي بدعم مشروعه السياسي، والتأكيد على أولوية وقف الحرب وإغاثة الشعب الفلسطيني. نجاح هذه الاستراتيجية سيعتمد على قدرة القيادة الفلسطينية على إقناع الأطراف الدولية بجدية التوجهات الإصلاحية، وعلى مدى استعداد هذه الأطراف لممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل لوقف سياساتها الأحادية والقبول بمسار سياسي جديد قد يعيد إحياء حل الدولتين من بوابة المؤتمر الدولي للسلام.






