مع انطلاق جلسة مجلس الوزراء في قصر بعبدا لبحث ملف نزع سلاح حزب الله وحصر السلاح بيد الدولة، بدا واضحًا منذ اللحظة الأولى أن النقاش لن يكون تقنيًا أو إداريًا فقط، بل سياسي بامتياز.
الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام مهّدا للاجتماع بلقاء قصير، قبل أن ينضم قائد الجيش العماد رودولف هيكل لعرض خطة عسكرية تتعلق بكيفية تطبيق القرار. لكن سرعان ما برزت الانقسامات مع انسحاب 4 وزراء من “الثنائي الشيعي” إلى جانب الوزير فادي مكي، احتجاجًا على طرح الملف بهذا الشكل، ما عكس حجم الشرخ القائم بين مكونات الحكومة.
الورقة الأمريكية… سلاح الضغط والدبلوماسية
القضية لا يمكن فصلها عن ما يُعرف بـ”الورقة الأمريكية”، التي وافقت الحكومة اللبنانية في أغسطس/آب الماضي على أهدافها العامة، وفي مقدمتها إنهاء الوجود المسلح غير الشرعي، بما يشمل سلاح حزب الله.
الورقة جاءت ثمرة ضغوط أمريكية متواصلة، في ظل تهديدات إسرائيلية بعملية عسكرية واسعة بعد حرب استمرت سنة كاملة وانتهت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. وبالتالي، فإن إصرار واشنطن على تجريد حزب الله من سلاحه لا يبدو مجرد مطلب سيادي لبناني، بل جزءًا من حسابات إقليمية أوسع تتعلق بأمن إسرائيل ورسم التوازنات الجديدة في المنطقة.
حزب الله… معركة “الميثاقية” والشرعية
من جانبه، يرفض حزب الله أي محاولة للمساس بسلاحه، ويرى في قرار الحكومة مسًّا بـ”الميثاقية الوطنية”. وفي بيانه الأخير، دعا الحزب السلطات إلى التراجع عن ما وصفه بـ”القرار غير الوطني”، مؤكداً أن سلاح المقاومة ليس مجرد ملف داخلي بل عنصر أساسي في معادلة الردع مع إسرائيل.
بالنسبة لحزب الله، التخلي عن السلاح يعني خسارة ورقة القوة التي منحته دورًا إقليميًا يتجاوز حدود لبنان، كما يعني الانكشاف أمام أي عدوان إسرائيلي محتمل، خصوصًا في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية على الجنوب حتى بعد وقف إطلاق النار.
الجيش بين الدور الوطني والضغوط الخارجية
وجود قائد الجيش في الجلسة لتقديم خطة لحصر السلاح يضع المؤسسة العسكرية في قلب العاصفة. فالجيش اللبناني يجد نفسه بين مطرقة الضغوط الدولية التي تدعو إلى أن يكون القوة المسلحة الشرعية الوحيدة، وسندان التوازنات الداخلية التي تُدرك أن نزع سلاح حزب الله بالقوة ليس خيارًا واقعيًا.
وبالتالي، فإن الخطة التي قدمها العماد هيكل قد تكون أقرب إلى رؤية نظرية أو خريطة طريق طويلة المدى، أكثر من كونها خطة قابلة للتنفيذ الفوري.
أزمة وطنية أم صراع إقليمي؟
جوهر الإشكال يكمن في أن ملف سلاح حزب الله ليس مجرد مسألة سيادية داخلية، بل عقدة إقليمية متشابكة. واشنطن ترى في نزعه خطوة لحماية إسرائيل، وطهران تعتبره خط الدفاع الأول في محور المقاومة، فيما يعيش لبنان بين ضغوط الخارج وحسابات الداخل.
الانسحابات الوزارية من جلسة بعبدا تؤكد أن أي قرار في هذا الاتجاه سيبقى منقوص الشرعية، وأن المأزق اللبناني مرشح للتفاقم إذا ما جرى فرض حلول من خارج التوافق الوطني.
إلى أين؟
ما بين الورقة الأمريكية، والموقف الإسرائيلي الميداني، وإصرار حزب الله على سلاحه، تبدو الحكومة اللبنانية أمام استحقاق تاريخي: فإما السير في خيار قد يفتح الباب على مواجهة داخلية جديدة، وإما البحث عن صيغة توافقية تحفظ التوازن بين مقتضيات السيادة ومتطلبات الواقع السياسي.
لكن حتى اللحظة، يبقى لبنان عالقًا في معادلة معقدة: حكومة مضغوطة من الخارج، مقاومة رافضة للتنازل، وجيش يحاول أن يبقى في موقع الحكم بينما تتصاعد المخاطر على الحدود الجنوبية.






