في وقت تتجه فيه الأنظار إلى مفاعيل مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها بين الولايات المتحدة وإيران لوقف التصعيد العسكري في المنطقة، يترقب لبنان ترجمة عملية لهذا الاتفاق على الأرض، وسط آمال رسمية وشعبية بأن يشكل نقطة تحول نحو تثبيت الاستقرار وإنهاء التوترات التي شهدتها الجبهة الجنوبية خلال الأشهر الماضية.
ورغم الترحيب اللبناني بالمذكرة، فإن المشهد الميداني لا يزال بعيداً عن الهدوء الكامل، في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية وتحليق الطائرات المسيّرة فوق مناطق الجنوب والعاصمة بيروت وضاحيتها، ما يعكس حالة من الحذر والترقب بشأن مدى قدرة الاتفاق على فرض واقع أمني جديد في المنطقة.
ترحيب لبناني ومطالبة بخطوات تنفيذية
رحبت الدولة اللبنانية بمذكرة التفاهم التي أُعلن عنها بين واشنطن وطهران، حيث أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أهمية ما تضمنته من إشارات إلى احترام الخصوصية اللبنانية وسيادة الدولة.
إلا أن المسؤولين اللبنانيين شددوا في الوقت ذاته على أن النجاح الحقيقي لأي اتفاق لا يقاس بالنصوص المعلنة، بل بمدى التزام الأطراف المعنية بتنفيذها على أرض الواقع.
وتنتظر بيروت الحصول على تفاصيل أوضح حول البنود التنفيذية للمذكرة وآليات تطبيقها، خصوصاً ما يتعلق بالوضع في الجنوب اللبناني والحدود مع إسرائيل، في ظل استمرار المخاوف من أي انتكاسة قد تعيد التصعيد العسكري إلى الواجهة.
أولوية وقف النار قبل أي مرحلة جديدة
تركز المقاربة اللبنانية الرسمية على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار بشكل كامل كخطوة أولى وأساسية قبل الانتقال إلى أي مراحل لاحقة.
وترى السلطات في لبنان أن نجاح هذه الخطوة سيمهد الطريق أمام تنفيذ ملفات أخرى لا تقل أهمية، أبرزها الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وانتشار الجيش اللبناني في المناطق الحدودية، وعودة النازحين إلى قراهم، إضافة إلى إطلاق عملية إعادة إعمار واسعة للمناطق المتضررة.
وتعتبر الأوساط السياسية أن هذه الملفات مترابطة بشكل وثيق، وأن أي تأخير في تنفيذ أحدها قد ينعكس سلباً على فرص تثبيت الاستقرار المستدام في البلاد.
الغارات والمسيرات تعكس هشاشة المشهد
على الرغم من الأجواء الإيجابية التي رافقت الإعلان عن التفاهم الأميركي – الإيراني، فإن التطورات الميدانية الأخيرة تعكس استمرار حالة التوتر، فقد واصلت الطائرات الإسرائيلية تنفيذ غارات وتحليقات مكثفة فوق عدد من المناطق اللبنانية، في مؤشر إلى أن مرحلة ما بعد الاتفاق لا تزال تواجه تحديات معقدة.
ويرى مراقبون أن استمرار العمليات العسكرية يثير تساؤلات حول مدى التزام الأطراف المختلفة بخفض التصعيد، ويضع الاتفاق أمام أول اختبار عملي لقدرته على تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع أمني ملموس.
«حزب الله» يربط موقفه بالتزام إسرائيل
وفي المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف تجمعات وآليات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، في وقت نقلت فيه وكالة «رويترز» عن مسؤول في الحزب تأكيده أن المقاتلين لم ينفذوا أي عمليات منذ الإعلان عن الاتفاق الإيراني – الأميركي.
وأشار المسؤول إلى أن موقف الحزب من تثبيت وقف إطلاق النار يبقى مرتبطاً أولاً بمدى التزام إسرائيل بالتهدئة ووقف عملياتها العسكرية، وهو ما يعكس استمرار حالة الحذر التي تسود مختلف الأطراف رغم الأجواء السياسية الجديدة.
ويرى محللون أن لبنان يقف اليوم أمام مرحلة مفصلية قد تحدد شكل الوضع الأمني والسياسي خلال السنوات المقبلة. فإذا نجحت التفاهمات الإقليمية في فرض تهدئة دائمة، فقد يفتح ذلك الباب أمام معالجة ملفات مزمنة تتعلق بالأمن والاقتصاد وإعادة الإعمار.
أما إذا تعثرت عملية التنفيذ أو استمرت الخروقات الميدانية، فإن البلاد قد تجد نفسها أمام دورة جديدة من التوتر وعدم الاستقرار.
وبين التفاؤل الحذر والوقائع الميدانية المعقدة، يبقى اللبنانيون بانتظار الخطوات العملية التي ستكشف ما إذا كان الاتفاق الأميركي – الإيراني سيمثل بداية مرحلة جديدة من الهدوء، أم أنه سيبقى مجرد تفاهم سياسي يصعب تحويله إلى واقع ملموس على الأرض.




