عد ساعات فقط من الإعلان عن اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وإيران، بدأت تظهر أولى التحديات التي قد تهدد استدامة التفاهم الذي وُصف بأنه أحد أهم الاختراقات الدبلوماسية في الشرق الأوسط منذ سنوات.
فبينما تراهن واشنطن وطهران على فتح صفحة جديدة من المفاوضات وإنهاء المواجهات العسكرية التي هزت المنطقة، جاء موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليكشف عن فجوة واضحة بين بنود الاتفاق والواقع الميداني على الأرض.
وخلال مؤتمر صحفي عقده في 15 يونيو، أكد نتنياهو أن الجيش الإسرائيلي سيواصل انتشاره في قطاع غزة وجنوب لبنان وسوريا “طالما كان ذلك ضرورياً”، في إشارة أثارت تساؤلات حول مستقبل الجبهات التي يفترض أن يشملها اتفاق إنهاء الحرب.
نتنياهو: منعنا الخطر النووي
سعى رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى تقديم المواجهة الأخيرة مع إيران باعتبارها نجاحاً استراتيجياً لإسرائيل، مؤكداً أن العمليات العسكرية حققت هدفاً أساسياً يتمثل في حماية الدولة العبرية من ما وصفه بـ”خطر الإبادة النووية”.
ويأتي هذا الموقف في وقت لا تزال فيه تفاصيل الاتفاق بين واشنطن وطهران غير معلنة بالكامل، الأمر الذي يترك مساحة واسعة للتأويل بشأن حجم التنازلات التي قدمها كل طرف والضمانات التي تم الاتفاق عليها.
ويرى مراقبون أن تصريحات نتنياهو تعكس رغبة إسرائيل في الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية داخل الساحات الإقليمية التي تعتبرها ضرورية لأمنها القومي، بغض النظر عن المسار التفاوضي الجاري بين الولايات المتحدة وإيران.
مستقبل مضيق هرمز في قلب المفاوضات
أحد أبرز الملفات التي حظيت باهتمام واسع عقب الإعلان عن الاتفاق يتعلق بمضيق هرمز، الممر البحري الذي يعبر من خلاله جزء كبير من تجارة النفط العالمية.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن أن الملاحة البحرية في المضيق أصبحت “آمنة تماماً”، مشيراً إلى بدء عبور السفن التجارية والنفطية بشكل طبيعي.
لكن رغم هذه التصريحات، لا يزال الملف بعيداً عن الحسم النهائي، إذ أوضح نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أن المفاوضات التقنية التي ستستمر لمدة ستين يوماً ستتناول مستقبل الملاحة البحرية وآليات ضمان حرية المرور على المدى الطويل.
ويعكس هذا الملف حجم الترابط بين الأمن الإقليمي واستقرار أسواق الطاقة العالمية، حيث أدى التوتر في المضيق خلال الأشهر الماضية إلى اضطرابات واسعة في الأسواق وارتفاع المخاوف بشأن أمن الإمدادات النفطية.
طهران تطالب بضمانات أمريكية
رغم الترحيب الإيراني بالاتفاق، فإن الخطاب الرسمي في طهران يعكس قدراً كبيراً من الحذر.
فقد شدد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي على ضرورة التزام الولايات المتحدة بتعهداتها وضمان احترام إسرائيل لأي ترتيبات تتعلق بلبنان وسائر الجبهات الإقليمية.
كما أكدت إيران أن بناء الثقة مع واشنطن ما يزال يمثل تحدياً كبيراً بعد سنوات طويلة من العقوبات والتوترات والانسحابات المتبادلة من الاتفاقات السابقة.
وفي هذا السياق، تسعى طهران إلى منح الاتفاق غطاءً دولياً أوسع عبر الدفع نحو المصادقة عليه داخل مجلس الأمن الدولي، في خطوة تهدف إلى تعزيز ضماناته القانونية والسياسية.
أربعة ملفات على طاولة التفاوض
رغم الإعلان عن الاتفاق، فإن الجزء الأكثر تعقيداً من العملية السياسية لم يبدأ بعد.
فبحسب المسؤولين الإيرانيين، ستشهد المرحلة المقبلة مفاوضات تمتد على مدى ستين يوماً للوصول إلى ما يوصف بـ”الاتفاق النهائي”، والذي سيركز على أربعة محاور رئيسية.
ويتمثل المحور الأول في رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، بينما يتعلق الثاني بمستقبل البرنامج النووي الإيراني وآليات الرقابة عليه.
أما المحور الثالث فيرتبط بإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، في حين يركز المحور الرابع على إنشاء آلية رقابية مشتركة لمتابعة تنفيذ الالتزامات المتبادلة ومنع أي خروقات محتملة.
وتشير هذه الملفات إلى أن الطريق نحو تسوية شاملة لا يزال طويلاً، وأن الاتفاق الحالي يمثل إطاراً أولياً أكثر منه حلاً نهائياً للأزمة.
رهانات اقتصادية على انخفاض أسعار النفط
اقتصادياً، استقبلت الأسواق الاتفاق بحالة من التفاؤل الحذر، وسط توقعات بانخفاض الضغوط على أسواق الطاقة العالمية.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكد أن التراجع المتوقع في أسعار النفط يجب أن ينعكس تدريجياً على أسعار الوقود للمستهلكين، مشيراً إلى أن إعادة تشغيل سلاسل التوريد واستعادة التدفقات الطبيعية للطاقة قد تستغرق عدة أسابيع.
ويرى خبراء الطاقة أن نجاح الاتفاق في تثبيت الاستقرار داخل الخليج قد يؤدي إلى تخفيف المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدفع الأسعار نحو الارتفاع، إلا أن ذلك يبقى مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف على الحفاظ على التهدئة خلال المرحلة المقبلة.
ترحيب دولي واسع
حظي الاتفاق بردود فعل إيجابية من معظم العواصم الكبرى والمنظمات الدولية.
الأمين العام للأمم المتحدة وصف الخطوة بأنها تطور مهم نحو تسوية سلمية للنزاع، بينما اعتبر الرئيس الفرنسي أن الاتفاق يمثل فرصة لإعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل وغير مشروط.
كما رحب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بالاتفاق، مشيداً بالدور الذي لعبه الوسطاء الإقليميون والدوليون في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران.
ويعكس هذا الترحيب حجم القلق الدولي الذي رافق التصعيد الأخير، والخشية من تحوله إلى مواجهة أوسع تهدد أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي.
بين الاتفاق السياسي والواقع الميداني
ورغم أجواء التفاؤل التي رافقت الإعلان عن الاتفاق، فإن تصريحات نتنياهو بشأن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في غزة ولبنان وسوريا تكشف أن الطريق نحو سلام شامل لا يزال مليئاً بالعقبات.
فبينما تتجه واشنطن وطهران نحو مرحلة جديدة من التفاوض، تبقى الملفات الأمنية الإقليمية، ومستقبل الجبهات المفتوحة، وطبيعة الضمانات المطلوبة من مختلف الأطراف، عناصر حاسمة ستحدد ما إذا كان الاتفاق يمثل بداية مرحلة استقرار طويلة أم مجرد هدنة مؤقتة في صراع لم تنتهِ فصوله بعد.




