بدأ الجيش اللبناني صباح اليوم السبت مرحلة جديدة من عملية استلام السلاح الفلسطيني من المخيمات، حيث تسلم 3 شاحنات من مخيم البداوي في شمال لبنان و5 شاحنات من مخيم عين الحلوة في الجنوب.
تأتي هذه الخطوة استكمالًا للمراحل السابقة التي شملت مخيمات برج البراجنة في بيروت والرشيدية والبص والبرج الشمالي في صور، في إطار تسليم السلاح من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية.
تنسيق لبناني – فلسطيني متواصل
أكد مدير العلاقات العامة في قوات الأمن الوطني الفلسطيني عبد الهادي الأسدي أن عملية التسليم تمت بشكل منظم، مشددًا على أن الفصائل الفلسطينية ملتزمة بخارطة الطريق المتفق عليها مع الدولة اللبنانية.
فيما أوضح السفير رامز دمشقية، رئيس لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني، أن الحوار مع باقي الفصائل مستمر لتسليم ما تبقى من السلاح، في مسار اعتبره “جديًا ومرحليًا” يفتح الباب أمام تعزيز الاستقرار داخل المخيمات ومحيطها.
خلفية سياسية وأمنية
الخطوة تأتي في سياق اللقاء الذي جمع الرئيس اللبناني جوزف عون بالرئيس الفلسطيني محمود عباس في مايو الماضي، حيث جرى التأكيد على حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية.
كما تزامن هذا المسار مع خطة وضعتها الحكومة اللبنانية في أغسطس لنزع سلاح حزب الله من المنطقة الحدودية مع إسرائيل خلال ثلاثة أشهر، في إطار خمس مراحل تهدف إلى حصر السلاح بالأجهزة الرسمية.
أهمية مخيم عين الحلوة
يُعتبر مخيم عين الحلوة أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان وأكثرها تعقيدًا من الناحية الأمنية، حيث يضم مطلوبين لدى السلطات اللبنانية ويشهد أحيانًا توترات داخلية بين الفصائل، لذلك فإن بدء تفكيك السلاح فيه يحمل دلالات كبرى على جدية المسار الجديد، ويُظهر تعاون الفصائل الفلسطينية مع مؤسسات الدولة.
ويعيش في لبنان أكثر من 220 ألف لاجئ فلسطيني، معظمهم في مخيمات مكتظة تفتقر للبنية التحتية الأساسية ويُحرمون من العمل في قطاعات عدة.
ومن هنا، يُنظر إلى خطوة تسليم السلاح كجزء من تهيئة بيئة أكثر استقرارًا تسمح بفتح حوار أوسع حول الحقوق المدنية والاجتماعية لهؤلاء اللاجئين، بما يخفف من الاحتقان داخل المخيمات ويعزز أمن المجتمع اللبناني ككل.
تداخل مع المشهد الإقليمي
تأتي عملية تسليم السلاح الفلسطيني في لبنان بينما تشهد المنطقة تطورات عسكرية خطيرة، خصوصًا مع استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة وما خلّفته من مجازر طالت أكثر من 200 ألف فلسطيني بين قتيل وجريح بحسب اعترافات رئيس الأركان الإسرائيلي السابق هرتسي هاليفي. هذا السياق يجعل الخطوة اللبنانية – الفلسطينية رسالة بأن الأمن الداخلي لا يقل أهمية عن التحديات الإقليمية.
ويعتبر مراقبون أن استكمال تسليم السلاح يعكس تحولًا استراتيجيًا في العلاقة بين الدولة اللبنانية والفصائل الفلسطينية، ويمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة لبنان على بسط سلطته على كامل أراضيه.
كما يرون أن نجاح هذه الخطوة سيشكل قاعدة لتقليص التوترات الأمنية المتكررة داخل المخيمات، ويفتح الباب أمام شراكة لبنانية – فلسطينية أكثر استقرارًا على المستويين الأمني والاجتماعي.
يرى خبراء في الشؤون اللبنانية أن تسلم الجيش للسلاح الفلسطيني خطوة بالغة الأهمية، لأنها تعني للمرة الأولى منذ عقود أن المخيمات لم تعد “جزرًا أمنية مستقلة”، بل باتت تدخل تدريجيًا تحت سلطة الدولة، وهو ما يعزز مفهوم السيادة اللبنانية.
ويعتبر محللون أن نجاح هذه العملية يعتمد على الثقة المتبادلة بين الدولة اللبنانية والفصائل الفلسطينية، إذ إن الفصائل تسعى لتأكيد أنها ليست عبئًا أمنيًا على لبنان، بينما تريد الدولة إظهار جديتها في احتضان الملف الفلسطيني سياسيًا وإنسانيًا.
ويشير خبراء أمنيون إلى أن التوقيت ليس منفصلًا عن المشهد الإقليمي، فالحرب المستمرة في غزة والتوتر على الحدود الجنوبية مع إسرائيل يفرضان على لبنان تنظيم بيئته الداخلية لتجنب استغلال المخيمات في أي صراع مسلح قد يجر البلد إلى مواجهة مفتوحة.
ويرى باحثون أن تسليم السلاح قد يفتح بابًا جديدًا للبحث في حقوق اللاجئين الفلسطينيين المدنية والاقتصادية داخل لبنان، فالتخلص من الهاجس الأمني قد يسمح بتوسيع دائرة النقاش حول تحسين ظروف المعيشة وتقليص الفجوة بين اللاجئين والمجتمع اللبناني.
أما على المدى الطويل، فيعتقد خبراء استراتيجيون أن نجاح الدولة في حصر السلاح بيد مؤسساتها سيشكل سابقة لبسط سلطتها على كل الأراضي اللبنانية، بما في ذلك ملف سلاح حزب الله، الذي لا يزال يمثل العقدة الأكثر تعقيدًا في معادلة السيادة اللبنانية.





