وسط تصاعد التوترات في محافظة السويداء السورية وامتداد صداها إلى بعض الأوساط الدرزية في لبنان، أظهرت الدولة اللبنانية وقيادات الطائفة موقفاً موحداً هدفه الأسمى: تحييد الداخل اللبناني عن صراع خارجي قد يشعل نار الفتنة.
فمنذ لحظة اندلاع الاشتباكات الدامية في جبل العرب، تحركت القيادات السياسية والدينية والأمنية في لبنان بسرعة لاحتواء الموقف، وعلى رأسهم الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، الذي لعب دوراً محورياً في تهدئة النفوس وضبط الشارع، في تعاون وثيق مع الجيش اللبناني الذي عزز من حضوره الميداني في المناطق الحساسة.
تحرك استباقي للجيش
لم يكن تحرك الجيش اللبناني مجرد رد فعل، بل أتى استباقياً. فمنذ الساعات الأولى لتصاعد التوترات في سوريا، كثّفت المؤسسة العسكرية انتشارها في المناطق الدرزية، وشكّلت نقاط مراقبة في مواقع استراتيجية مثل طريق صوفر – عاليه، لتفادي قطع الطرقات أو تجمعات غير منضبطة قد تتحول إلى اشتباكات.
وقد سُجلت حادثة واحدة، الأربعاء، حيث أقدم عشرات الشبان على إغلاق الطريق مؤقتاً، قبل أن يتدخل الجيش ويفتحه بسلاسة.
وفي طرابلس، تجمّع شبان في ساحة عبد الحميد كرامي، رافعين الأعلام السورية الجديدة ومرددين هتافات مؤيدة للنظام في دمشق، ما عزز المخاوف من توسع ردود الفعل إلى مناطق خارج البيئة الدرزية، إلا أن الأمر بقي تحت السيطرة.
اتصال حاسم بين سلام وجنبلاط
وفي خطوة سياسية لافتة، أجرى رئيس الحكومة نواف سلام اتصالاً هاتفياً بوليد جنبلاط، ناقشا فيه أهمية وحدة الموقف اللبناني في مواجهة التحديات الإقليمية. وأكدا على ضرورة «التحلي بالحكمة والتعقل وتفادي أي ردود فعل قد تجر لبنان إلى مستنقع الصراع السوري».
وشدد الطرفان على دعم وحدة سوريا تحت مظلة الدولة، دون أن ينعكس المشهد الدموي هناك على الشارع اللبناني المنقسم أصلاً.
وقال مصدر حكومي إن الرئيس سلام كثّف اتصالاته الأمنية والسياسية، بما في ذلك التنسيق مع وليد جنبلاط، لضمان بقاء الوضع مضبوطاً. وأضاف أن الأجهزة الأمنية عززت وجودها خلال الـ24 ساعة الماضية في المناطق الحساسة.
تيمور جنبلاط: دعم للجيش ورفض للفتنة
رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، النائب تيمور جنبلاط، استنكر أي تعرض للجيش أو المواطنين على الطرقات، مؤكداً أن حفظ الأمن والاستقرار هو الأولوية القصوى في هذه المرحلة.
موقف يتناغم مع سياسة والده وليد جنبلاط، الذي لعب دور الإطفائي في لحظة كادت تشتعل فيها الأرض تحت أقدام الجميع.
من جانبه، النائب هادي أبو الحسن شدد على أن التداخل الاجتماعي والعائلي بين دروز لبنان وسوريا يجعل الانفعال مفهوماً، لكنه أضاف: «استطعنا محلياً احتواء الموقف، ونعوّل على تثبيت وقف إطلاق النار في السويداء».
خطر التجييش وظهور «جيش التوحيد»
ومع كل هذا الجهد لاحتواء الموقف، برزت أصوات نقيضة تهدد بتفجير الأوضاع، حيث أعلن الوزير اللبناني الأسبق وئام وهاب عن تشكيل مسلح تحت اسم «جيش التوحيد»، داعياً إلى “المقاومة بالسلاح”.
دعوة اعتبرها كثيرون خطاً أحمر يمكن أن يعيد لبنان إلى زمن الميليشيات، الأمر الذي رفضته معظم القيادات الدرزية والسياسية في البلاد.
بعيداً عن الانفعالات، أظهرت البيئة الدرزية اللبنانية وعياً جماعياً بخطورة اللحظة، فغابت التحركات العشوائية، وانحصر الغضب في التعبير الرمزي دون السقوط في فخ العنف.
ويبدو أن تضافر الجهود بين الجيش، والحكومة، وقيادات الطائفة، ساهم في تجنيب لبنان امتداداً خطيراً لصراع خارجي، قد يكون له تداعيات كارثية لو تُرك من دون ضوابط.
تحييد لا حياد
اللبنانيون، الذين عانوا طويلاً من تبعات الحروب بالوكالة، باتوا يدركون جيداً أن تحييد بلدهم عن صراعات الجوار ليس موقفاً محايداً بل سياسة مسؤولة، تحفظ ما تبقى من استقرار هش في منطقة تغلي.
وفي ظل استمرار هدنة هشة في السويداء، تبقى العيون شاخصة، والجهوزية الأمنية والسياسية في لبنان في أعلى درجاتها، لمنع نار الجوار من التهام البيت اللبناني من جديد.





