لقاء الفصائل الفلسطينية في القاهرة لا يقتصر على بحث وقف إطلاق النار، بل يعكس محاولة لفتح نقاش أوسع حول شكل النظام السياسي الفلسطيني بعد الحرب في غزة، ومن يملك حق المشاركة في إدارة المرحلة المقبلة. وبين الدعوة إلى الانتخابات وإنهاء الانقسام، تبرز معركة أكثر حساسية تتعلق بإعادة تشكيل الشرعية والتمثيل الفلسطيني.
لم يكن اجتماع القوى والفصائل الفلسطينية في القاهرة مجرد لقاء تشاوري جديد حول وقف إطلاق النار في غزة. فاختيار الملفات المطروحة، وطبيعة المشاركين، وحضور القيادي الفلسطيني محمد دحلان، كلها مؤشرات على أن النقاش بدأ يتجاوز مسألة تثبيت الهدوء إلى السؤال الأصعب: ماذا سيحدث للنظام السياسي الفلسطيني بعد الحرب؟
اللقاء، الذي دعا إليه تيار الإصلاح الديمقراطي، جمع قوى فلسطينية لبحث تطورات المرحلة المقبلة، في وقت لا تزال فيه التفاهمات الخاصة بغزة تواجه عقبات ميدانية وسياسية، بينما تتزايد الضغوط لإيجاد صيغة لإدارة القطاع وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية.
وقف النار.. المشكلة الأولى وليست الأخيرة
في الظاهر، كان وقف إطلاق النار في مقدمة جدول الأعمال.
الفصائل المشاركة أدانت ما وصفته بالخروقات الإسرائيلية، وطالبت الوسطاء والجهات الضامنة بالتدخل لمنع انهيار التفاهمات واستكمال مراحل الاتفاق.
لكن أهمية هذا الموقف لا تكمن فقط في إدانة الخروقات، وإنما في أن أي انهيار للتهدئة سيعيد ترتيب المشهد كله.
فاستمرار وقف إطلاق النار يعني الانتقال تدريجيًا إلى ملفات أكثر تعقيدًا: إعادة الإعمار، إدارة غزة، مستقبل الفصائل المسلحة، إعادة توحيد المؤسسات، ثم شكل النظام السياسي الفلسطيني.
أما عودة الحرب، فستؤجل هذه الملفات مرة أخرى، وربما تعيد فرض قواعد جديدة على الأرض بعيدًا عن أي توافق فلسطيني.
السؤال الذي بدأ يفرض نفسه: من يدير غزة؟
هنا تكمن أهمية الاجتماع.
فبعد الحرب، لن يكون السؤال متعلقًا فقط بمن يملك القدرة على إدارة الخدمات اليومية في القطاع، وإنما بمن يملك الشرعية السياسية لتمثيل سكان غزة واتخاذ القرارات باسمهم.
ولهذا عادت قضية الوحدة الفلسطينية إلى واجهة النقاش.
القوى المشاركة تحدثت عن إنهاء الانقسام وإعادة بناء النظام السياسي على قاعدة الشراكة، وهي صيغة تبدو سهلة في الخطاب، لكنها تصطدم بخلافات عميقة حول السلطة والانتخابات والسلاح والتمثيل السياسي.
فحماس تريد ضمان موقعها في المعادلة الفلسطينية، بينما تتمسك قوى أخرى بإعادة بناء المؤسسات الرسمية وتوحيد القرار السياسي، في وقت تدفع فيه أطراف إقليمية ودولية نحو صيغة جديدة لإدارة القطاع.
الانتخابات.. إعادة ترتيب موازين القوى
من هنا تأتي أهمية طرح الانتخابات في اجتماع القاهرة.
فالانتخابات، في حال إجرائها، لن تكون مجرد وسيلة لتجديد المؤسسات، وإنما قد تتحول إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ داخل النظام السياسي الفلسطيني.
ولهذا شددت القوى المشاركة على أن تكون الانتخابات مدخلًا لتجديد الشرعيات واستعادة ثقة الفلسطينيين، مع رفض الإقصاء والتفرد.
لكن السؤال الحقيقي سيكون: هل تستطيع القوى الفلسطينية الاتفاق أولًا على قواعد اللعبة قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع؟
فإجراء انتخابات في ظل استمرار الانقسام قد يعيد إنتاج الأزمة بدل حلها، بينما تأجيلها إلى أجل غير محدد يعني استمرار المؤسسات الحالية بأزمة شرعية متراكمة.
حضور دحلان.. إشارة سياسية أكثر من كونه تفصيلًا
ويضيف حضور محمد دحلان بعدًا آخر إلى اجتماع القاهرة.
فالرجل، الذي ارتبط اسمه تاريخيًا بالتيار الفتحاوي وبالملف الأمني والسياسي في غزة، لا يزال حاضرًا في النقاشات المتعلقة بمستقبل القطاع، خصوصًا من خلال علاقاته الإقليمية وشبكة تيار الإصلاح الديمقراطي.
لذلك فإن ظهوره في لقاء يناقش مستقبل النظام السياسي والانتخابات والوحدة الوطنية لا يمكن فصله عن المنافسة على شكل المرحلة المقبلة.
ولا يعني ذلك أن حضور دحلان يحسم موقعه في أي ترتيبات مستقبلية، لكنه يعكس أن بعض القوى الفلسطينية بدأت تبحث عن أوسع صيغة ممكنة للمشاركة في المشهد القادم، بدل حصره في القوى التي كانت تهيمن على القرار قبل الحرب.
القاهرة تختبر إمكانية بناء صيغة فلسطينية أوسع
بالنسبة إلى مصر، لا ينفصل هذا الحراك عن دورها في ملف غزة.
فالقاهرة كانت ولا تزال إحدى أهم القنوات العربية للتواصل مع مختلف الأطراف الفلسطينية، كما أن استقرار القطاع يرتبط مباشرة بالأمن المصري وبمستقبل الحدود ومعبر رفح.
ولهذا، فإن دفع الفصائل نحو الحوار قد يكون محاولة لإنتاج مظلة فلسطينية أوسع يمكن التعامل معها في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار.
لكن الطريق ليس سهلًا.
فالاتفاق على عنوان مثل “الوحدة الوطنية” أسهل بكثير من الاتفاق على تفاصيلها: من يملك القرار؟ من يدير غزة؟ ما مصير الأجهزة الأمنية؟ كيف ستجرى الانتخابات؟ وما موقع الفصائل المسلحة داخل النظام السياسي؟
المعركة الحقيقية تبدأ بعد وقف الحرب
ولهذا فإن أهمية اجتماع القاهرة لا ينبغي أن تقاس بما صدر عنه من بيانات فقط.
الأهم هو أنه يأتي في لحظة بدأت فيها ترتيبات ما بعد الحرب تتحول إلى ملف سياسي قائم بذاته.
فإذا نجح وقف إطلاق النار، ستجد القوى الفلسطينية نفسها أمام واقع جديد يحتاج إلى مؤسسات موحدة وإدارة قادرة على التعامل مع إعادة الإعمار والخدمات والتمثيل السياسي.
أما إذا بقي الانقسام قائمًا، فقد تتحول مرحلة ما بعد الحرب إلى صراع جديد على من يملك غزة ومن يمثل الفلسطينيين.
وهنا تحديدًا تبدو الانتخابات والوحدة الوطنية أقل ارتباطًا بالشعارات، وأكثر ارتباطًا بإعادة توزيع القوة داخل النظام السياسي الفلسطيني.
بين إعادة البناء وإعادة تشكيل النظام
ما يجري في القاهرة إذن يتجاوز محاولة جمع الفصائل حول طاولة واحدة.
فالمسألة المطروحة هي ما إذا كان الفلسطينيون قادرين على تحويل نهاية الحرب إلى بداية لمسار سياسي جديد، أم أن الانقسام سيعود ليملأ الفراغ الذي تتركه المعارك.
المرحلة المقبلة لن تختبر فقط قدرة الأطراف على الحفاظ على وقف إطلاق النار، بل ستختبر قدرتها على الاتفاق على من يحكم، ومن يمثل، ومن يقرر مستقبل غزة.






