أعادت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن إمكانية اضطلاع سوريا بدور في معالجة ملف حزب الله داخل لبنان طرح أسئلة قديمة حول طبيعة العلاقة بين البلدين وحدود النفوذ السوري في الساحة اللبنانية.
فخلال مقابلة إعلامية، أشار ترامب إلى رغبته في رؤية تحرك أكثر فاعلية ضد حزب الله، ملمحاً إلى إمكانية أن تلعب دمشق دوراً في التوصل إلى ترتيبات تتعلق بالأزمة اللبنانية. ثم صعّد لاحقاً من لهجته عندما تحدث عن احتمال قيام سوريا، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، باتخاذ خطوات إذا تعذر احتواء التطورات عبر الوسائل الأخرى.
ورغم أن التصريحات لم تتضمن خطة واضحة أو تفاصيل عملية، فإنها أعادت إلى الواجهة المقارنات مع مرحلة تاريخية لعبت فيها سوريا دوراً عسكرياً وسياسياً مباشراً في لبنان.
هل يمكن تكرار تجربة عام 1976؟
تبدو المقارنة بين الواقع الحالي والتدخل السوري في لبنان عام 1976 مغرية للكثير من المراقبين، لكنها تصطدم باختلافات جوهرية في البيئة السياسية والإقليمية.
ففي منتصف سبعينيات القرن الماضي، دخلت القوات السورية إلى لبنان في ظل حرب أهلية تهدد بانهيار الدولة اللبنانية بالكامل، وضمن شبكة من التفاهمات الإقليمية والدولية التي وفرت غطاءً سياسياً لهذا التدخل.
وجاء التحرك السوري آنذاك بطلب من الرئيس اللبناني الراحل سليمان فرنجية، كما حظي بدعم أطراف لبنانية نافذة كانت تخشى اختلال التوازنات الداخلية. كذلك توافقت مصالح عدد من القوى الدولية والإقليمية على ضرورة منع انهيار لبنان وتحوله إلى مصدر فوضى يمتد أثرها إلى المنطقة بأسرها.
شرعية إقليمية ومؤسسات دولة قوية
لم يكن العامل العسكري وحده هو ما سمح لسوريا بلعب ذلك الدور. ففي ذلك الوقت كانت الدولة السورية تتمتع بمؤسسات مستقرة وجيش كبير ومنظم، كما كانت القيادة السياسية في دمشق تحظى باعتراف إقليمي ودولي واسع.
وتعززت مكانة سوريا بعد حرب أكتوبر 1973، ما منح الرئيس الراحل حافظ الأسد هامشاً أوسع للتحرك في الملفات الإقليمية. كما أن التدخل في لبنان جرى لاحقاً تحت مظلة “قوات الردع العربية”، وهو ما وفر غطاءً سياسياً عربياً ساهم في إضفاء شرعية إضافية على الوجود السوري.
ومن منظور القيادة السورية آنذاك، لم يكن لبنان مجرد ساحة خارجية، بل امتداداً مباشراً للبيئة الأمنية السورية، الأمر الذي جعل التدخل جزءاً من حسابات الأمن القومي.
مقترحات أمريكية ومواقف سورية حذرة
خلال العامين الماضيين ظهرت عدة مؤشرات على اهتمام أمريكي بإعادة طرح فكرة دور سوري في بعض الملفات الأمنية المرتبطة بلبنان.
فقد تحدث مسؤولون أمريكيون في مناسبات مختلفة عن ضرورة معالجة ملف سلاح حزب الله وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية، كما ترددت تقارير عن مقترحات تتعلق بإمكانية مساهمة دمشق في جهود ضبط الحدود أو الحد من أنشطة التهريب.
غير أن السلطات السورية تعاملت بحذر مع هذه الطروحات. فقد أكدت دعمها للمؤسسات اللبنانية الرسمية ولجهود الدولة اللبنانية في بسط سلطتها، في الوقت الذي نفت فيه بشكل واضح التقارير التي تحدثت عن احتمال دخول قوات سورية إلى الأراضي اللبنانية.
ويعكس هذا الموقف إدراكاً سورياً لحساسية الملف اللبناني وما يمكن أن يثيره من تداعيات داخلية وإقليمية.
سوريا اليوم ليست سوريا الأمس
تكمن العقبة الأساسية أمام أي دور سوري واسع في لبنان في طبيعة التحولات التي شهدتها سوريا نفسها خلال السنوات الماضية.
فالبلاد خرجت من حرب طويلة تركت آثاراً عميقة على مؤسسات الدولة والاقتصاد والبنية الاجتماعية. كما أن السلطة الحالية ما زالت تواجه تحديات مرتبطة بإعادة بناء المؤسسات وترسيخ الاستقرار الداخلي واستعادة الثقة بين مكونات المجتمع.
وفي ظل هذه الظروف، تبدو الأولويات السورية متمحورة حول ملفات داخلية تتعلق بإعادة الإعمار وتحسين الوضع الاقتصادي وإعادة تأهيل البنية التحتية وتعزيز سلطة الدولة داخل أراضيها.
كما أن المشهد السياسي السوري لا يزال في مرحلة انتقالية، وسط نقاشات مستمرة حول شكل المؤسسات المستقبلية وآليات المشاركة السياسية، وهي عوامل تجعل أي انخراط خارجي واسع أكثر تعقيداً وكلفة.
لبنان بين الحسابات الإقليمية والتحولات الداخلية
من جهة أخرى، يختلف لبنان اليوم أيضاً عن لبنان الذي شهد التدخل السوري قبل خمسة عقود. فالتوازنات الداخلية تبدلت، كما أن البيئة الإقليمية التي سمحت بوجود تفاهمات واسعة حول الدور السوري لم تعد قائمة بالشكل ذاته.
وتدرك معظم الأطراف الإقليمية أن أي ترتيبات جديدة في لبنان تتطلب توافقات دولية وإقليمية معقدة تتجاوز مجرد الرغبة السياسية لهذا الطرف أو ذاك. كما أن ملف حزب الله نفسه يرتبط بشبكة واسعة من الحسابات الإقليمية تشمل إيران وإسرائيل والولايات المتحدة ودولاً عربية عدة.
أولوية الداخل قبل أدوار الخارج
في ضوء هذه المعطيات، تبدو إمكانية عودة سوريا إلى لعب دور أمني أو عسكري مباشر في لبنان على غرار تجربة عام 1976 أمراً بعيد الاحتمال في المدى المنظور.
فالعوامل التي سمحت بذلك التدخل قبل نحو نصف قرن لم تعد متوافرة بالدرجة نفسها، سواء من حيث قوة الدولة السورية أو طبيعة التفاهمات الإقليمية أو الظروف اللبنانية الداخلية.
ولهذا تبدو الأولوية بالنسبة لدمشق اليوم مرتبطة بإعادة ترتيب البيت الداخلي وتعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي، أكثر من الانخراط في أدوار إقليمية تتطلب موارد وإجماعات سياسية لا تزال قيد التشكل.






