أشارت مجلة “المراقبة العسكرية” الأمريكية (MWM) إلى أن الجزائر تشكل استثناءً بارزاً في المنطقة، إذ لا تكتفي بالخطاب السياسي في مواجهة التهديدات الإسرائيلية، بل تدعمه بقدرات عسكرية نوعية. ورغم أن تل أبيب تلوّح بين الحين والآخر بخيار الضربة العسكرية، إلا أن تقارير غربية ترى أن هذه التهديدات تبقى حبيسة الإعلام أكثر من كونها خطة قابلة للتنفيذ.
و من أبرز ما يميز المنظومة الجزائرية هو الانتشار الكثيف لمحطات الرادار، التي تغطي مساحات شاسعة من المجال الجوي الوطني. هذه الشبكة قادرة على رصد الطائرات على ارتفاعات مختلفة، بما في ذلك الطائرات الشبحية، وهو ما يجعل عنصر المفاجأة – الذي تعتمد عليه إسرائيل غالباً – شبه مستحيل.
صواريخ أرض–جو… جدار اللهب
الجزائر لا تملك دفاعاً جوياً تقليدياً فحسب، بل منظومات روسية متطورة من طراز إس-300 ونسخ محسنة من إس-400، إلى جانب أنظمة “بانتسير” متحركة قصيرة المدى. هذه التشكيلة المتكاملة تخلق ما يسميه الخبراء بـ”طبقات دفاعية متعددة”، أي أن أي طائرة مهاجمة ستواجه أكثر من حزام صاروخي، من المدى البعيد إلى القريب. وبذلك يصبح اختراق السماء الجزائرية مغامرة عالية المخاطر.
و لا تتوقف المعادلة عند الدفاع الجوي. فالجزائر تمتلك أسطولاً متنوعاً من الطائرات المقاتلة الروسية، أبرزها سو-30، التي تعتبر من أفضل مقاتلات التفوق الجوي في العالم. ومع إدخال سو-57 بشكل محدود للتجارب والتحديثات، ترفع الجزائر سقف الردع. هذه الطائرات قادرة على ملاحقة أي تهديد في الجو أو ضرب أهداف بعيدة بدقة عالية، ما يعني أن الرد الجزائري لن يكون دفاعياً فقط، بل قد يتحول إلى هجوم مضاد.
إسرائيل ومأزق “الخصم الصعب”
تعتمد إسرائيل تاريخياً على ضربات سريعة ضد دول ذات دفاعات جوية محدودة، كما حدث في سوريا والعراق. غير أن الحالة الجزائرية مختلفة جذرياً: فالقدرات الدفاعية والهجومية متوازنة، والبنية العسكرية صُممت لتفادي سيناريو “الضربة الاستباقية”. بالنسبة لاستراتيجيي تل أبيب، فإن أي هجوم على الجزائر قد لا يحقق أهدافه، بل يفتح جبهة مكلفة وغير محسوبة النتائج.
ما وراء السلاح: الردع كخيار سياسي
لا يمكن قراءة القوة العسكرية الجزائرية بمعزل عن سياستها الخارجية. فالجزائر لم تسعَ إلى شراء السلاح الشرقي فقط كخيار تقني، بل كرسالة جيوسياسية صريحة: الاستقلالية في القرار السيادي. في عالمٍ تتحكم فيه واشنطن وشركاؤها الغربيون غالباً بخيوط الإمدادات العسكرية، اختارت الجزائر طريقاً آخر، يقلل من احتمال وقوعها تحت الابتزاز الاستراتيجي.
تحالفات استراتيجية بدل التبعية
منذ سنوات التسعينيات، بنت الجزائر علاقات عسكرية متينة مع موسكو، تُرجمت بعقود تسليح ضخمة وتدريب مشترك. لاحقاً، وسّعت هذه العلاقات لتشمل بكين، التي زودتها بتقنيات الرادار وأنظمة الحرب الإلكترونية. هذا التوجه يضع الجزائر في خانة الدول التي لا ترى في الغرب بوابة وحيدة للأمن، بل تسعى لتعدد الأقطاب.
الأمر هنا يتجاوز حدود “تنويع المصادر”، ليصبح رهاناً على شراكات استراتيجية طويلة المدى تعزز مكانة الجزائر على الخريطة الدولية.
الردع السياسي… قبل العسكري
هذه الخيارات تجعل أي تهديد إسرائيلي للجزائر ليس مجرد مواجهة بين دولتين، بل مغامرة تمس بمصالح قوى عظمى. فروسيا التي تعتبر السوق الجزائرية أحد أهم زبائنها العسكريين في المنطقة، لن تسمح بسهولة بخسارة نفوذها أو تقويض صورتها كسند لحلفائها. أما الصين، فهي ترى في الجزائر محوراً لمبادرة “الحزام والطريق” وركيزة لوجودها الاقتصادي–الأمني في أفريقيا.
وبالتالي، فإن الهجوم على الجزائر يعني ضمنياً تحدي موسكو وبكين، ما يحول المعادلة من نزاع إقليمي محدود إلى أزمة دولية محتملة.
السيادة فوق كل اعتبار
اختيار الجزائر لمورديها الشرقيين لم يكن فقط لحسابات تقنية أو مادية، بل لاعتبارات تتعلق بـ”الكرامة الوطنية” و”رفض الارتهان”. هذا البعد الرمزي يمنح قرارات الجزائر وزناً إضافياً، ويُظهرها كدولة تصنع سياستها الدفاعية بعيداً عن الإملاءات. وهو ما يرسخ صورتها في الوعي الجمعي العربي والأفريقي كـ”صوت مستقل” في منطقة لطالما عانت من التدخلات الخارجية.
المعنى العميق للردع الجزائري
الرسالة النهائية هنا أن القوة ليست في عدد الصواريخ أو الطائرات وحدها، بل في الإرادة السياسية التي تقف خلفها. والجزائر أثبتت أن سيادة القرار السياسي هي الوجه الآخر لفعالية السلاح. فحين لا يكون المزود الغربي قادراً على وقف الذخيرة أو حجب قطع الغيار كورقة ضغط، يصبح السلاح أداة ردع حقيقية، لا مجرد قطعة حديد معرضة للتعطيل بقرار خارجي.






