في انتقاد حاد وغير معتاد لسياسات التفاوض الأوروبية، أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن خيبة أمله إزاء بنود الاتفاق التجاري المبدئي الذي تم التوصل إليه بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، معتبرًا أن الصفقة تُظهر “فقدان أوروبا لهَيبتها” في الساحة الدولية.
وجاءت تصريحات ماكرون، التي بثتها قناة BFM TV، في أعقاب توقيع اتفاق تجاري مؤقت يقضي بفرض تعرفة جمركية تقدر بنحو 15% على جميع الصادرات الأوروبية إلى الولايات المتحدة، دون أن يشمل الاتفاق تخفيض الرسوم المرتفعة التي تطبقها واشنطن على قطاعات استراتيجية كالصُلب والألومنيوم.
وقال ماكرون في لهجة صريحة: “لكي نكون أحراراً، يجب أن نُخشى. لم يعد أحد يخشانا بما يكفي. فرنسا كانت وستظل صوتًا صارمًا ومطالبًا داخل الاتحاد، وهذه ليست نهاية القصة، ولن نقف عند هذا الحد.”
صفقة مثيرة للجدل… ومكان توقيع غير تقليدي
وُقعت الاتفاقية في 27 يوليو الجاري، خلال لقاء جمع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب برئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في ملعب غولف خاص في إسكتلندا، ما أثار انتقادات واسعة في الأوساط الدبلوماسية الأوروبية.
وسارعت المتحدثة باسم الحكومة الفرنسية، صوفي بريما، إلى التعبير عن أسف باريس حيال ما وصفته بـ”الطريقة غير اللائقة” التي أُبرمت بها الصفقة، قائلة في مؤتمر صحفي: “كنا نفضل أن يتم التفاوض على هذه الاتفاقية ضمن إطار رسمي، لا في ملعب غولف خاص.” وأضافت أن الموقف الفرنسي كان منسجمًا على كافة المستويات، بدءًا من الرئيس وانتهاءً بالحكومة، في رفض الصيغة التي خرج بها الاتفاق.
خسائر استراتيجية ومخاوف من اختلال التوازن التجاري
يرى مراقبون أن الاتفاق الجديد يعكس تراجعًا في القدرة التفاوضية للاتحاد الأوروبي، لا سيما في مواجهة الولايات المتحدة، التي باتت تفرض رؤيتها التجارية بأدوات القوة الاقتصادية لا بالشراكة المتوازنة. وتغيب عن الاتفاق أي مؤشرات واضحة لإلغاء أو تخفيف الرسوم الأمريكية المرتفعة على الصلب والألومنيوم الأوروبي، والتي لا تزال تبلغ 50%.
وبينما حاول ماكرون التخفيف من حدة الموقف بالتأكيد على أن الاتفاق “يوفر قدرًا من الشفافية والتوقع على المدى القصير”، شدد في الوقت نفسه على أن الاتحاد الأوروبي مطالب باستعادة توازنه التجاري، لا سيما في قطاع الخدمات الذي يعاني من فجوة كبيرة بين ما يصدره وما يستورده.
كما أشار الرئيس الفرنسي إلى أن الاتفاق الحالي “يحمي بشكل جزئي” قطاعات تصديرية مهمة مثل صناعة الطيران، مؤكدًا أن هناك التزامات بعدم المساس بالقطاع الزراعي أو بالمعايير الصحية والبيئية الأوروبية، والتي تعتبر خطوطًا حمراء في السياسات التجارية الفرنسية.
إذلال سياسي أم مناورة تكتيكية؟
في تصريحات أكثر حدة، وصف رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا بايرو الاتفاق بأنه “إذلال لأوروبا”، في إشارة إلى غياب التكافؤ في شروط التفاوض مع واشنطن. وتأتي هذه التصريحات في وقت حساس تمر فيه أوروبا بتحديات على جبهات متعددة، بدءًا من أزمة الطاقة إلى صعود اليمين المتطرف داخل المؤسسات الأوروبية، فضلًا عن تصاعد الضغوط الأميركية لإعادة صياغة السياسات التجارية لصالح المصالح الاقتصادية الأميركية.
ويرى بعض المحللين أن باريس قد تتخذ موقفًا أكثر تشددًا خلال جولات التفاوض المقبلة حول “إضفاء الطابع الرسمي” على الاتفاق، خاصة إذا استمرت بنود الصفقة في تجاهل مطالب فرنسا فيما يخص القطاعات الحيوية والقدرة التنافسية للمنتجات الأوروبية.
أوروبا تبحث عن دور قيادي مفقود
تصريحات ماكرون تُسلّط الضوء على خلل أكبر في أداء الاتحاد الأوروبي على الساحة العالمية، حيث باتت الدول الأعضاء تجد صعوبة في فرض شروط عادلة عند الدخول في مفاوضات مع قوى اقتصادية كبرى. وبينما تُحمّل باريس بروكسل جزءًا من المسؤولية، لا تخفي رغبتها في الدفع نحو إعادة تشكيل آلية اتخاذ القرار داخل الاتحاد، بما يُعيد للاتحاد ما يسميه ماكرون “الهيبة المفقودة”.






