شهدت الساحة الدبلوماسية تحركًا جديدًا في ملف العلاقات الإيرانية الأميركية، بعدما كشفت طهران عن إجراء نقاش محدود بشأن برنامجها النووي خلال المحادثات التي استضافتها سويسرا، مؤكدة في الوقت ذاته أن ما جرى لا يمكن وصفه بأنه مفاوضات رسمية حول الملف النووي.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن الجانبين تبادلا عرضًا موجزًا لمواقفهما بشأن القضية النووية، دون التطرق إلى تفاصيل فنية أو سياسية موسعة، مشددًا على أن الحديث اقتصر على استعراض وجهات النظر، ولم يصل إلى مرحلة التفاوض الفعلي بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني.
وأوضح بقائي أن الوفد الأميركي قدم رؤيته بصورة مختصرة للغاية، فيما عرض الجانب الإيراني موقفه بالقدر ذاته، معتبرًا أن اللقاء يمثل خطوة أولية لتبادل الرسائل السياسية أكثر من كونه بداية لمسار تفاوضي شامل.
انطلاق المحادثات الفنية لبحث آليات التنفيذ
بالتوازي مع النقاشات السياسية، بدأت في سويسرا محادثات فنية بين إيران والولايات المتحدة تستهدف مناقشة آليات تنفيذ مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها بين الطرفين، إضافة إلى تشكيل مجموعات عمل متخصصة لمتابعة الملفات ذات الصلة.
ويترأس الوفد الإيراني نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي، ويضم مجموعة من الخبراء في المجالات السياسية والاقتصادية والقانونية، في مؤشر على رغبة طهران في التعامل مع الملفات المطروحة من منظور فني ومؤسسي.
وتشارك في الاجتماعات الفنية أيضًا وفود من قطر وباكستان اللتين تضطلعان بدور الوساطة بين الجانبين، بينما عاد فريق التفاوض الإيراني الرئيسي إلى طهران بعد انتهاء الجولة الأولى من المحادثات.
جولة أولى انتهت بعد أجواء متوترة
وجاءت هذه الاجتماعات عقب انتهاء الجولة الأولى من المحادثات بين مسؤولين كبار من الولايات المتحدة وإيران في سويسرا، وهي الجولة التي شهدت أجواء مشحونة وتوترات سياسية كادت تلقي بظلالها على مستقبل الحوار.
ففي الوقت الذي لوحت فيه طهران مجددًا بإغلاق مضيق هرمز، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى التهديد باستئناف الهجمات ضد إيران إذا اقتضت الضرورات الأمنية ذلك، ما رفع منسوب التوتر قبل انطلاق المحادثات.
ورغم تلك الأجواء، نجح الوسطاء في الحفاظ على مسار الحوار، وصولًا إلى اختتام الجولة الأولى بإعلان تفاهمات أولية تمهد لمواصلة التواصل بين الطرفين خلال الفترة المقبلة.
قطر وباكستان تقودان جهود الوساطة
ولعبت كل من قطر وباكستان دورًا محوريًا في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، حيث أصدرتا بيانًا مشتركًا أكدت فيه انتهاء الجولة الأولى من المحادثات والتوصل إلى تفاهمات بشأن المرحلة المقبلة.
ووفق البيان، اتفق الطرفان على وضع خارطة طريق تهدف إلى التوصل لاتفاق نهائي خلال فترة لا تتجاوز 60 يومًا، بما يعكس رغبة مشتركة في استكشاف فرص التهدئة ومعالجة الملفات الخلافية عبر القنوات الدبلوماسية.
كما تقرر استمرار الاجتماعات الفنية طوال الأسبوع الجاري في منتجع بورغنشتوك السويسري، من أجل مناقشة الجوانب الفنية والإجرائية اللازمة لدفع التفاهمات إلى مراحل أكثر تقدمًا.
مضيق هرمز وأمن الملاحة
ولم تقتصر المناقشات على الملف النووي فقط، إذ شملت قضايا أمنية وإقليمية ذات أهمية استراتيجية، على رأسها أمن الملاحة البحرية في منطقة الخليج ومضيق هرمز الذي يمثل أحد أهم الممرات التجارية لنقل الطاقة عالميًا.
وبحسب ما أعلنته الدولتان الوسيطتان، تم الاتفاق على فتح قناة اتصال مباشرة للمساعدة في ضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر المضيق، في خطوة تستهدف تقليل احتمالات التصعيد وحماية حركة التجارة الدولية.
ويُنظر إلى هذا التفاهم باعتباره مؤشرًا على وجود أرضية مشتركة يمكن البناء عليها في ملفات أخرى ترتبط بالأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي العالمي.
تفاهمات حول لبنان ومساعٍ لخفض التوتر
وشملت المباحثات كذلك بحث آلية لإنهاء القتال في لبنان، وهو ملف يحظى باهتمام إقليمي ودولي متزايد في ظل المخاوف من اتساع رقعة الصراع في المنطقة.
ويرى مراقبون أن إدراج الملف اللبناني ضمن جدول الأعمال يعكس اتساع نطاق المحادثات ليشمل قضايا تتجاوز البرنامج النووي، بما يشير إلى محاولة بناء إطار أوسع للحوار بين واشنطن وطهران حول ملفات الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.
ورغم حرص إيران على التأكيد بأن المفاوضات النووية لم تبدأ رسميًا بعد، فإن استمرار الاجتماعات الفنية وتحديد جدول زمني للتوصل إلى اتفاق خلال 60 يومًا يمنح هذه الجولة أهمية خاصة.
ويعتقد محللون أن نجاح المحادثات الفنية في معالجة القضايا الإجرائية والخلافات التقنية قد يمهد الطريق أمام انطلاق مفاوضات سياسية أكثر عمقًا خلال الأسابيع المقبلة، خاصة في ظل وجود وساطة نشطة من قطر وباكستان ورغبة دولية في تجنب أي تصعيد جديد بالمنطقة.
وبين الحذر الإيراني والترقب الأميركي، تبقى محادثات سويسرا اختبارًا حقيقيًا لإمكانية تحويل التفاهمات الأولية إلى اتفاقات ملموسة، قد تعيد رسم ملامح العلاقة بين البلدين وتؤثر بشكل مباشر في مستقبل الملف النووي وأمن المنطقة بأسرها.




