شهدت العاصمة السورية دمشق، الأربعاء، انطلاق أولى جلسات محاكمة وسيم الأسد، أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بالنظام السوري السابق، في خطوة تُعد من أبرز محطات مسار العدالة الانتقالية الذي تشهده البلاد بعد سنوات من الصراع.
وجرت المحاكمة أمام «محكمة الجنايات الرابعة» بحضور النائب العام للجمهورية حسان التربة، إلى جانب ممثلين عن منظمات حقوقية وطنية ودولية، وسط اهتمام محلي ودولي واسع بمسار القضية وتداعياتها السياسية والقانونية.
وترأس الجلسة القاضي فخر الدين مصطفى العريان، بمشاركة المستشارين عبد الحميد الحمود وحسام عبد الرحمن، فيما مثّل النيابة العامة القاضي عمر محمود الراضي، حيث بدأت المحكمة بعرض لائحة اتهام موسعة تضمنت سلسلة من الجرائم الخطيرة المنسوبة إلى المتهم.
لائحة اتهام ثقيلة تشمل جرائم حرب
وخلال الجلسة، استعرضت المحكمة تفاصيل الاتهامات الموجهة إلى وسيم الأسد، والتي شملت تشكيل وإدارة مجموعات مسلحة غير نظامية منذ عام 2011 بتكليف من العميد غياث دلا، أحد قادة «الفرقة الرابعة» التابعة للنظام السابق بقيادة ماهر الأسد.
ووفق ما ورد في لائحة الاتهام، فإن تلك المجموعات شاركت في عمليات عسكرية واسعة النطاق استهدفت مناطق مدنية، لا سيما في الغوطة الشرقية وبلدة المليحة، وأسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.
كما تضمنت الاتهامات مسؤوليته عن حادثة قتل في مدينة جرمانا، إضافة إلى التورط في مجازر وقعت خلال العمليات العسكرية التي شهدتها تلك المناطق.
ولم تقتصر التهم على الانتهاكات العسكرية، بل شملت كذلك التحريض العلني على العنف، وإدارة شبكات لتهريب المخدرات والاتجار بها، فضلاً عن ارتكاب جرائم سلب ونهب وابتزاز بحق مواطنين خلال سنوات النزاع.
الأفعال تندرج ضمن جرائم ضد الإنسانية
وأكد رئيس المحكمة خلال الجلسة أن الأفعال المنسوبة إلى وسيم الأسد تندرج قانونياً ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، إلى جانب مخالفتها الصريحة لأحكام قانون العقوبات السوري.
ويعكس هذا التوصيف القضائي أهمية القضية وحجم الاتهامات الموجهة إلى وسيم الأسد، إذ تُعد جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من أخطر الجرائم التي تنظر فيها المحاكم الوطنية والدولية، لما تنطوي عليه من انتهاكات جسيمة تستهدف المدنيين وحقوق الإنسان الأساسية.
وبعد الانتهاء من تلاوة لائحة الاتهام، قررت المحكمة وقف البث المباشر للجلسة، في خطوة أوضحت وزارة العدل السورية أنها تأتي ضمن تطبيق برنامج حماية الشهود.
وأكدت الوزارة أن إجراءات المحاكمة استمرت بشكل طبيعي داخل قاعة المحكمة، إلا أن وقف النقل التلفزيوني جاء حفاظاً على سرية الشهادات وضمان سلامة الشهود والمشاركين في القضية، ومنع أي ضغوط أو تأثيرات محتملة على مجريات العدالة.
ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها جزءاً من محاولة السلطات السورية توفير بيئة قضائية تضمن نزاهة المحاكمة واستقلالية الشهادات، خاصة في القضايا المرتبطة بجرائم الحرب والانتهاكات واسعة النطاق.
عملية أمنية معقدة أنهت سنوات من الملاحقة
وكانت وزارة الداخلية السورية قد أعلنت في 21 يونيو 2025 إلقاء القبض على وسيم الأسدوسيم الأسد خلال عملية أمنية وصفتها بـ«المحكمة»، جرت على الحدود السورية اللبنانية بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة.
وشكلت عملية القبض آنذاك تطوراً بارزاً في ملف ملاحقة الشخصيات المتهمة بارتكاب انتهاكات خلال سنوات الحرب، نظراً لارتباط اسم وسيم الأسد خلال السنوات الماضية بعدد من الملفات الأمنية والاقتصادية المثيرة للجدل، وعلى رأسها تجارة المخدرات والشبكات المسلحة غير النظامية.
وتأتي محاكمة وسيم الأسد ضمن سلسلة من المحاكمات التي يشهدها القضاء السوري في إطار جهود العدالة الانتقالية ومحاسبة المتهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة خلال عهد النظام السابق.
ففي هذا السياق، تواصل «محكمة الجنايات الرابعة» النظر في قضية عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في محافظة درعا، والمتهم بالتورط في انتهاكات ارتُكبت عام 2011، حيث عُقدت مؤخراً الجلسة الرابعة من محاكمته.
كما تنظر المحكمة في قضية عبد الناصر براقي بن أيمن، المتهم بالعمل مخبراً لصالح النظام السابق وارتكاب جرائم قتل عمد وسلب بالعنف وكذب افترائي.
وخلال الجلسة الثانية من محاكمته طالبت النيابة العامة بتوقيع أقصى العقوبات القانونية بحقه، والمتمثلة في الإعدام، فيما قررت المحكمة تأجيل النطق بالحكم إلى 13 يوليو المقبل لمنحه فرصة أخيرة لتقديم دفوعه النهائية.
اختبار حقيقي لمسار المحاسبة في سوريا
ويرى مراقبون أن محاكمة وسيم الأسد تمثل اختباراً مهماً لجدية مسار العدالة الانتقالية في سوريا، خاصة أنها تستهدف شخصية تُعد من الأسماء الأكثر إثارة للجدل خلال سنوات الحرب.
كما تفتح القضية الباب أمام تساؤلات واسعة حول مستقبل محاسبة بقية المتهمين بارتكاب انتهاكات وجرائم بحق المدنيين، ومدى قدرة المؤسسات القضائية على استكمال هذا المسار وصولاً إلى تحقيق العدالة للضحايا وعائلاتهم.
وفي ظل المتابعة المحلية والدولية المكثفة، تبدو هذه المحاكمة محطة مفصلية في المشهد السوري الجديد، حيث تسعى السلطات إلى إظهار التزامها بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وترسيخ مفهوم سيادة القانون بعد سنوات طويلة من الصراع والانقسام.




