تشهد العلاقات بين بغداد وأربيل حراكاً سياسياً متسارعاً لإعادة ترتيب ملف النفط والغاز، في ظل جهود يقودها المبعوث الأميركي توم برَّاك الذي كثف اتصالاته مع المسؤولين العراقيين والأكراد بهدف تقريب وجهات النظر وتسريع التوصل إلى تفاهمات تنهي واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في العراق خلال العقدين الماضيين.
وتحولت زيارة برَّاك إلى أربيل منتصف يونيو الجاري إلى محطة مهمة في مسار المفاوضات، بعدما حملت رسائل أميركية داعمة لتسوية الخلافات العالقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، خصوصاً ما يتعلق بإدارة الموارد النفطية وآليات التصدير وتقاسم الإيرادات.
ويرى مراقبون أن التحركات الأميركية الأخيرة تأتي في توقيت حساس يواجه فيه العراق تحديات مالية واقتصادية متزايدة، ما يفرض على مختلف الأطراف البحث عن حلول عملية ومستدامة للخلافات التي عطلت استقرار قطاع الطاقة لسنوات طويلة.
قانون النفط والغاز.. مشروع مؤجل
ورغم تكرار الحديث عن ضرورة تشريع قانون اتحادي للنفط والغاز، فإن هذا الملف لا يزال يراوح مكانه منذ عام 2007، عندما قدمت حكومة نوري المالكي أول مسودة للقانون إلى البرلمان العراقي.
ومنذ ذلك الوقت، أخفقت جميع الدورات البرلمانية المتعاقبة في تمرير التشريع الذي كان من المفترض أن يحدد بشكل واضح آليات إدارة الثروات الطبيعية وتوزيع العائدات النفطية بين الحكومة الاتحادية والأقاليم والمحافظات المنتجة للنفط.
وبدلاً من الحلول التشريعية الدائمة، اعتمدت القوى السياسية العراقية على تفاهمات مؤقتة وتسويات سياسية متغيرة، الأمر الذي جعل الملف عرضة للأزمات المتكررة كلما تبدلت الظروف السياسية أو الاقتصادية.
تفاؤل أميركي بحل الأزمة النفطية
ووفقاً لسياسيين أكراد، فإن لقاءات برَّاك في أربيل ركزت على تعزيز التعاون العراقي الأميركي في قطاع الطاقة، إضافة إلى مناقشة مشاريع استراتيجية من بينها تطوير خط أنابيب كركوك – بانياس الذي يربط النفط العراقي بالساحل السوري ومنه إلى البحر المتوسط.
كما أبدى المبعوث الأميركي تفاؤله بإمكانية نجاح الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي في تجاوز العقبات التقليدية التي عطلت التفاهمات السابقة بين بغداد وأربيل، خاصة مع وجود رغبة معلنة لدى الطرفين لإعادة تصدير النفط وتسوية الملفات المالية العالقة.
وتؤكد أوساط سياسية كردية أن المفاوضات الحالية تختلف عن الجولات السابقة، إذ انتقلت من مرحلة الجمود السياسي إلى مرحلة الحوار العملي الذي يركز على إيجاد حلول مباشرة للأزمات الاقتصادية المتفاقمة.
جذور الأزمة.. خلاف دستوري
ورغم تعدد محاولات التسوية، فإن جوهر الخلاف لا يزال مرتبطاً بتفسيرات متباينة للدستور العراقي بشأن صلاحيات إدارة الثروات الطبيعية، فبينما تؤكد حكومة إقليم كردستان حقها في إبرام العقود النفطية مباشرة مع الشركات الأجنبية وتنفيذ مشروعات مستقلة، تتمسك بغداد بكونها الجهة الوحيدة المخولة دستورياً بإدارة القطاع النفطي والتعاقدات الخارجية.
كما تتسع فجوة الخلاف لتشمل طبيعة العقود النفطية الموقعة في الإقليم، وآليات استثمار الحقول المكتشفة، وشكل العلاقة بين الحكومتين فيما يتعلق بالإنتاج والتصدير وتقاسم الإيرادات.
وكان برلمان إقليم كردستان قد حاول معالجة هذا الفراغ التشريعي بإقرار قانون خاص بالنفط والغاز عام 2007، إلا أن المحكمة الاتحادية العراقية أبطلت القانون عام 2022، ما أعاد الأزمة إلى نقطة الصفر.
استبعاد تمرير القانون في المدى القريب
ورغم الأجواء الإيجابية المحيطة بالمفاوضات الحالية، يستبعد عدد من السياسيين الأكراد نجاح البرلمان العراقي في إقرار قانون النفط والغاز خلال الفترة القريبة.
ويرى هؤلاء أن الخلافات السياسية العميقة بين الكتل البرلمانية، إلى جانب تضارب المصالح بين المحافظات المنتجة للنفط والحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، تجعل التوافق على صيغة نهائية أمراً بالغ الصعوبة.
كما أن تمرير القانون يتطلب توافقاً سياسياً واسعاً يتجاوز إرادة الحكومة وحدها، وهو ما لم يتحقق حتى الآن رغم مرور سنوات طويلة على طرح المشروع.
اتفاقات مؤقتة بدلاً من الحل النهائي
وفي ظل تعثر الحل التشريعي، تتجه الأنظار إلى تطوير الاتفاقات المؤقتة التي تنظم العلاقة النفطية بين بغداد وأربيل.
وكان الطرفان قد توصلا في يونيو 2023 إلى تفاهم يقضي بتسليم إقليم كردستان نحو 250 ألف برميل نفط يومياً للحكومة الاتحادية، مقابل التزام بغداد بتسديد المستحقات المالية للإقليم ضمن الموازنة العامة.
كما تضمن الاتفاق السماح بمرور نفط كركوك عبر أنابيب الإقليم وصولاً إلى ميناء جيهان التركي، في خطوة هدفت إلى الحفاظ على تدفقات التصدير وتقليل الخسائر الاقتصادية.
ويرجح مراقبون أن تشهد المرحلة المقبلة تعديلات وتطويراً لهذا الاتفاق بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية الحالية والحاجة المتزايدة لتعزيز الإيرادات العامة.
وفي موازاة الحراك السياسي، برزت خلال الأسابيع الماضية مؤشرات تعكس تحسناً في مستوى التنسيق بين بغداد وأربيل، سواء على الصعيد الاقتصادي أو الأمني.
وشهد منتصف يونيو الجاري زيارة وفد عسكري عراقي رفيع المستوى إلى أربيل، حيث أجرى سلسلة اجتماعات ميدانية شملت عدداً من الحقول النفطية لمناقشة سبل تعزيز الحماية الأمنية للمنشآت والعاملين فيها.
ويرى مسؤولون أكراد أن الحكومة العراقية الجديدة أبدت مرونة أكبر في التعامل مع الملفات الخلافية مقارنة بالمراحل السابقة، الأمر الذي أسهم في خلق أجواء أكثر إيجابية للحوار والتفاوض.
الأزمة المالية تدفع الجميع نحو التسوية
ويجمع كثير من المتابعين على أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة تمثل اليوم عاملاً مشتركاً يدفع بغداد وأربيل نحو البحث عن حلول أكثر استدامة للخلاف النفطي.
فمع تزايد التحديات المالية والحاجة إلى تنشيط قطاع الطاقة واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، تبدو جميع الأطراف أكثر استعداداً لتقديم تنازلات متبادلة تسمح بالحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.
ورغم استمرار العقبات السياسية والقانونية، فإن الحراك الحالي، المدعوم بجهود أميركية وضغوط دولية متصاعدة، يمنح ملف النفط والغاز فرصة جديدة للخروج من دائرة الأزمات المزمنة، بانتظار اتفاق شامل قد يضع حداً لخلاف استمر أكثر من عشرين عاماً بين بغداد وأربيل.




