المشهد في مدينة غزة بات يتخذ أبعاداً رمزية عميقة تعكس تصميم السكان على مواجهة محاولات التهجير القسري. المسيرة التي خرجت اليوم تحت عنوان “مسيرة الأكفان” ليست مجرد فعالية احتجاجية تقليدية، بل رسالة سياسية وإنسانية مركبة: آلاف الفلسطينيين ساروا بأكفان بيضاء، في إشارة واضحة إلى أن الموت بالنسبة لهم أهون من مغادرة أرضهم. هذا الاختيار الرمزي يختزل معادلة المواجهة بين إرادة البقاء الفلسطيني وبين سياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها الجيش الإسرائيلي.
السكان أمام معادلة مستحيلة
مشاركة المخاتير والوجهاء، إلى جانب ممثلين عن القطاع الصحي، أكسبت المسيرة بعداً جامعاً. فهي لم تقتصر على فئة بعينها، بل بدت كصوت جماعي يوحد مختلف شرائح المجتمع: الوجهاء يمثلون الجذور التاريخية والاجتماعية، والعاملون في القطاع الصحي يجسدون صمود البنية المدنية رغم الانهيار، والجماهير العادية تؤكد أن هذا الرفض شعبي شامل وليس مجرد خطاب سياسي.
في المقابل، تواصل إسرائيل تكثيف الضغط العسكري والنفسي على سكان غزة. الإنذارات التي وجهها الجيش صباح اليوم لنحو مليون فلسطيني بمغادرة المدينة نحو منطقة المواصي تندرج في إطار سياسة التحذير القسري التي تسبق عادة عمليات التدمير الواسعة. التحذيرات العلنية على لسان الناطق العسكري الإسرائيلي تضع السكان أمام معادلة مستحيلة: النزوح القسري إلى منطقة مكتظة وفقيرة البنية التحتية، أو البقاء تحت قصف عسكري “شديد القوة” كما جاء في البيان. هذه الصيغة توضح بجلاء أن الهدف يتجاوز البعد الأمني المعلن ليصل إلى إعادة هندسة ديموغرافية واسعة في القطاع.
إفراغ غزة من السكان
ما يحدث في غزة لا يمكن فصله عن رؤية استراتيجية أوسع تتبناها إسرائيل بدعم أميركي ضمني أو مباشر. التدمير التدريجي للأبراج السكنية، وتشريد عشرات الآلاف، وتوجيه الإنذارات بالإخلاء، كلها مؤشرات على سياسة متدرجة لإفراغ مدينة غزة من سكانها. هذا يفتح الباب أمام سيناريو يصفه كثير من المراقبين بأنه تهجير قسري بأدوات عسكرية، يهدف أولاً إلى دفع السكان جنوباً نحو المواصي، وربما لاحقاً إلى خارج حدود القطاع، وهو ما يفسر تزايد التحذيرات الأممية من خطر “الترانسفير” الجماعي.
الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة في غزة تزيد الصورة قتامة: أكثر من 64 ألف شهيد و163 ألف مصاب منذ السابع من أكتوبر 2023، ما يعكس حجم الكارثة الإنسانية المستمرة منذ ما يقارب العامين. في هذا السياق، تأتي “مسيرة الأكفان” كرد فعل طبيعي على شعور جمعي بأن المعركة لم تعد فقط معركة بقاء سياسي، بل معركة حياة أو موت، وأن المجتمع الدولي لم ينجح حتى الآن في توفير مظلة حماية حقيقية للمدنيين.
مقاومة رمزية
التقاطع بين المقاومة الرمزية عبر المسيرات وبين القصف الإسرائيلي يخلق حالة مشحونة يمكن قراءتها في اتجاهين: من جهة، يعزز التمسك الفلسطيني بالأرض ويعيد إنتاج سردية الصمود التي طبعت تاريخ غزة في العقود الماضية. ومن جهة أخرى، يمنح إسرائيل ذريعة لتصعيد عملياتها بدعوى رفض السكان الامتثال للتحذيرات، ما يزيد من احتمالية توسع رقعة الدمار وسقوط مزيد من الضحايا.
الرسالة الأهم التي خرجت بها المسيرة تكمن في إعلان صريح أن التهجير القسري لن يمر دون مقاومة رمزية وميدانية، وأن خيار البقاء في المدينة هو خيار جامع يتخطى الانقسامات السياسية والاجتماعية. بهذا المعنى، فإن “مسيرة الأكفان” لم تكن مجرد مشهد احتجاجي عابر، بل محطة مفصلية تعكس الإرادة الجماعية لمجتمع يتعرض لواحدة من أشرس محاولات الاقتلاع في التاريخ المعاصر.






