دعا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول في جوهانسبرغ إلى الإسراع بتشكيل قوة الاستقرار الدولية في غزة، في خطوة تشير إلى انتقال القاهرة من مرحلة المراقبة والتحذير إلى الضغط المباشر على الأطراف الدولية لإحداث تقدم ملموس في مسار ما بعد الحرب. تأتي هذه الدعوة في وقت يشهد فيه القطاع واحدة من أشد الأزمات الإنسانية منذ عقود، مع استمرار الخلافات بشأن ترتيبات الأمن والإدارة بعد وقف إطلاق النار وتعثر تنفيذ بنود اتفاق شرم الشيخ الذي تم التوصل إليه برعاية مصرية أمريكية عربية.
اتفاق شرم الشيخ: إعادة التأكيد على الالتزام الدولي
أكد عبد العاطي خلال اللقاء ضرورة التنفيذ الكامل لاتفاق شرم الشيخ، الذي ينص على وقف شامل لإطلاق النار وتعزيز دخول المساعدات الإنسانية وبدء مرحلة التعافي المبكر وإطلاق إعادة الإعمار ضمن آلية دولية. ورغم الدعم الواسع للاتفاق من قبل مجلس الأمن وعدد من العواصم الغربية، فقد واجه التطبيق عراقيل سياسية وأمنية أبرزها الخلافات الداخلية في إسرائيل، وتردد بعض القوى الغربية في ممارسة ضغط مباشر على تل أبيب، بالإضافة إلى غياب توافق فلسطيني حول ترتيبات إدارة القطاع بعد الحرب.
قوة الاستقرار الدولية: محاولة لإدارة الفراغ الأمني
فكرة نشر قوة استقرار دولية ليست جديدة، لكنها اكتسبت زخماً بعد تحذيرات أممية وغربية من فراغ أمني محتمل في غزة واحتمال عودة الفوضى أو توسع انتشار الفصائل المسلحة في حال غياب ترتيبات واضحة. وبحسب مصادر دبلوماسية غربية، تتراوح الخيارات المطروحة بين قوة متعددة الجنسيات بإشراف الأمم المتحدة أو قوة عربية دولية مختلطة بقيادة مصرية أو بعثة أمنية مدنية واسعة النطاق مع دعم عسكري محدود. ويأتي طرح القاهرة متسقاً مع الموقف الأوروبي، خصوصًا بريطانيا وفرنسا، اللتين أعلنتا دعمهما لآلية أمنية محايدة رغم تحفظهما على أي انتشار عسكري غربي مباشر في القطاع.
إعادة الإعمار: القاهرة تحشد التمويلات الدولية
أبلغ عبد العاطي الجانب البريطاني استعداد مصر لاستضافة المؤتمر الدولي للتعافي المبكر وإعادة إعمار غزة، في محاولة لإعادة تنشيط المسار المالي والتنموي الذي توقف عملياً منذ العام 2021. وتسعى القاهرة إلى حشد التمويلات الدولية والإقليمية لإعادة بناء البنية التحتية، وإنشاء آلية تدريجية لعودة الخدمات الأساسية، وإرساء ترتيبات أمنية وسياسية تمنع تكرار الدمار. وتقدّر مصادر أممية كلفة إعادة إعمار غزة بعد الحرب الأخيرة بين 12 و16 مليار دولار، وهو رقم يفوق قدرة أي دولة منفردة ويستلزم تنسيقاً دولياً واسعاً.
ملف السودان: ربط الأزمات الإقليمية بالاستقرار المصري
لم يقتصر الاجتماع على غزة، بل تناول التطورات في السودان، حيث شدد عبد العاطي على أهمية توحيد الجهود الدولية والإقليمية لدعم الآلية الرباعية لإيقاف إطلاق النار وإطلاق عملية سياسية شاملة. وتخشى القاهرة من انعكاس استمرار الحرب السودانية على أمن الحدود الجنوبية واستقرار منطقة البحر الأحمر وعلى تدفقات اللاجئين التي تزايدت منذ عام 2023، مؤكدة على دعم المؤسسات الوطنية السودانية ووحدة الدولة كخط أحمر.
تحليل: دوافع القاهرة وقراءة التحركات الأخيرة
يمكن قراءة تحركات مصر على أنها استجابة للفراغ السياسي في غزة بعد الحرب، حيث يدفع غياب رؤية دولية متماسكة القاهرة إلى القلق من سيناريو الفوضى أو التقسيم الواقعي للقطاع، مما يجعل طرح قوة الاستقرار الدولية حلاً لإدارة الوضع الأمني. كما تهدف القاهرة إلى الضغط على إسرائيل عبر مسار متعدد الأطراف يضم أوروبا والأمم المتحدة والدول العربية لضمان التزام تل أبيب بتعهداتها، وفي الوقت نفسه الحفاظ على موقعها الإقليمي التقليدي كوسيط أساسي لا يمكن تجاوزه، خصوصاً مع تصاعد الدور السعودي والقطري في الملف الفلسطيني. وتأتي هذه التحركات في إطار استشراف القاهرة لامتداد عدم الاستقرار من السودان إلى غزة والقرن الإفريقي والبحر الأحمر، مع إدراكها أن ضعف الدول المحيطة قد يزيد من التهديدات على الحدود المصرية.
دبلوماسية هجومية في مرحلة دقيقة
تكشف دعوة وزير الخارجية المصري لتسريع تشكيل قوة الاستقرار الدولية وإعادة التأكيد على اتفاق شرم الشيخ واستضافة مؤتمر لإعادة الإعمار عن تحول في الاستراتيجية المصرية من إدارة الأزمات إلى محاولة رسم مستقبل غزة ما بعد الحرب. وبينما ترحب بعض العواصم بهذه المقاربة، تبقى القدرة على تحويل الأفكار إلى آليات تنفيذية حقيقية هي التحدي الأكبر في ظل التعقيدات السياسية الإسرائيلية والانقسامات الفلسطينية وتردد المجتمع الدولي في الانخراط الميداني المباشر.






