في خضم مجازر متكررة ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين في قطاع غزة، وآخرها مجزرة منطقة “زيكيم” التي أودت بحياة أكثر من 60 فلسطينيًا أثناء محاولتهم الحصول على المساعدات الإنسانية، تبرز مفارقة صارخة في موقف حركة “حماس” التي تواصل إصدار بيانات الإدانة والشجب، دون أن تُقابلها خطوات سياسية أو إنسانية فاعلة على الأرض تخفف من حجم الكارثة التي يعيشها سكان القطاع. فبينما تتصاعد أعداد الشهداء، وتضيق خيارات البقاء، تبدو الحركة عالقة بين خطابها التعبوي وموقفها التفاوضي المتصلب، في وقت يدفع فيه المدنيون وحدهم ثمن التعنت السياسي.
تناقض يُضعف مصداقية حماس
بيان “حماس” الأخير، الذي وصف ما جرى في زيكيم بأنه “إمعان في حرب الإبادة” و”استدراج وقتل عبر آلية توزيع المساعدات”، يحمل في طياته خطابًا صائبًا في توصيف الجريمة، لكنه لا يتجاوز كونه صرخة في الفراغ، في ظل عدم اقتران هذا الخطاب بأي استعداد عملي لتقديم تنازلات قد تُفضي إلى تهدئة مؤقتة أو تسوية إنسانية توقف نزيف الدم وتمنح المدنيين فرصة للتنفس. فالحركة، التي تتهم إسرائيل والولايات المتحدة باستخدام المساعدات كسلاح قتل، ترفض في الوقت نفسه التقدم نحو اتفاق لوقف إطلاق النار، وتبقي على شروط تفاوضية مشددة، وكأن الوقت لصالحها، أو أن المجتمع الدولي يملك رفاهية الانتظار.
هذا التناقض يُضعف مصداقية حماس كقوة مقاومة تدّعي أنها تضع مصالح الشعب الفلسطيني في المقام الأول. إذ لا يمكن إنكار أن استمرار الحرب، في ظل التفوق العسكري الإسرائيلي والانهيار الكامل للبنية التحتية في غزة، يؤدي إلى مضاعفة معاناة المدنيين، لا إلى تعزيز موقع المقاومة. كما أن الإصرار على استمرار المواجهة دون وجود أفق سياسي واضح أو قدرة على حماية السكان من المجازر والمجاعة، يطرح تساؤلات مشروعة حول من يدفع الثمن، ولصالح من تُدار هذه المعركة الطويلة.
الحركة غارقة في الحسابات الإيديولوجية والرمزية
إن بيانات حماس المتكررة باتت أقرب إلى الروتين الإعلامي منها إلى الفعل السياسي أو الميداني المؤثر، إذ لا تترتب عليها سياسات جديدة أو مراجعات جادة للمسار المتعثر. وفي الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل شن غاراتها القاتلة، وتمنع دخول المساعدات بشكل كافٍ، يجد الفلسطينيون في غزة أنفسهم أسرى بين فكي العدوان الإسرائيلي، والتصلب السياسي لحركة لم تعد تملك سوى تكرار مفردات الإدانة والاتهام.
التحركات الدولية باتت مشروطة بوجود طرف فلسطيني مستعد للانخراط في مسار سياسي مرن، يحفظ ما تبقى من الأرواح والمقومات، لكن “حماس” ما زالت تراهن على تصدير المعاناة دون تقديم بدائل إنقاذ. وحتى حين يُفتح باب التفاوض، تبدو الحركة غارقة في الحسابات الإيديولوجية والرمزية، على حساب الاحتياجات الإنسانية العاجلة، كوقف إطلاق النار، وتأمين الغذاء والدواء، وفتح المعابر، وضمان سلامة المدنيين.
مسؤولية أخلاقية
هذا الواقع يضع “حماس” أمام مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون سياسية. فالمقاومة الحقيقية لا تقاس فقط بالقدرة على إطلاق الصواريخ، بل أيضًا بمدى الاستعداد لتحييد المدنيين عن خط النار، وتغليب الحكمة على العناد، والبحث عن مخارج إنسانية مؤقتة في انتظار حل سياسي بعيد المدى. ومن دون هذه المراجعة، ستبقى الحركة شريكًا في المأساة، حتى إن كانت لا تطلق النار، لأن الصمت عن الحلول الفعلية، والمراوحة في خطاب الرفض المطلق، أصبح بدوره أداة من أدوات استدامة الكارثة.
إن واجب اللحظة يتطلب من “حماس” أكثر من بيانات غاضبة. فشعب غزة، الذي يواجه المجاعة والموت، بحاجة إلى قرارات شجاعة تنقله من تحت الركام، لا إلى شعارات تُملى عليه من فوق المنابر. وأمام كل طفل يموت جوعًا، وكل شيخ يُسحق في طوابير المساعدات، يصبح استمرار المواقف المتصلبة خيانة لتضحيات الناس، لا تعبيرًا عن صمودهم.






