شهدت العلاقات بين واشنطن وبكين منعطفًا بارزًا هذا الأسبوع بعد المكالمة الهاتفية التي جرت بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، والتي تناولت عدداً من القضايا العالقة وفي مقدمتها مصير تطبيق “تيك توك”. المكالمة، التي وصفتها وسائل الإعلام الرسمية الصينية بالصريحة والبنّاءة، أسفرت عن اتفاق مبدئي يتيح استمرار عمل التطبيق في الولايات المتحدة بعد أن كان مهدداً بالحظر الكامل، كما فتحت الباب أمام لقاءات مباشرة بين الزعيمين تبدأ في قمة منتدى آسيا والمحيط الهادئ في كوريا الجنوبية في أكتوبر/تشرين الأول، على أن تتبعها زيارات متبادلة إلى كل من بكين وواشنطن مطلع العام المقبل.
من التوتر الجمركي إلى لغة التعاون
المحادثة جاءت في وقت بدت فيه العلاقات الثنائية أقل توتراً مما كانت عليه قبل أشهر، خاصة بعد اللقاءات التجارية التي احتضنتها مدريد وشارك فيها وفدان رفيعا المستوى من البلدين. ورغم أن ملف الحرب التجارية وحرب الرسوم الجمركية لم يُطرح بشكل مباشر خلال المكالمة، إلا أن تصريحات الجانبين حملت إشارات واضحة إلى أن هناك رغبة في التهدئة. فقد تحدث ترامب عبر منصته “تروث” عن إحراز “تقدم في قضايا مهمة تشمل التجارة والأمن ومكافحة الفنتانيل”، فيما أصر شي على التذكير بالدروس التاريخية للعلاقات بين البلدين، داعياً إلى بناء مستقبل مشترك يقوم على “التعايش السلمي والاحترام المتبادل والتعاون المربح للطرفين”. هذه اللغة تمثل تحولاً في الخطاب الرسمي، وتوحي بأن الطرفين يدركان صعوبة استمرار المواجهة الاقتصادية المفتوحة بلا أفق.
“تيك توك”: من ملف أمني إلى ورقة دبلوماسية
الملف الأكثر حساسية في الاتصال كان مصير تطبيق “تيك توك”، الذي تحوّل من قضية تقنية وأمنية إلى ورقة دبلوماسية تعكس ميزان القوى بين الطرفين. فالتطبيق، الذي يستخدمه أكثر من 170 مليون أميركي، كان مهدداً بالحظر منذ أقر الكونغرس في 2024 قانوناً يُلزم الشركة الأم “بايت دانس” ببيع عملياتها الأميركية لشركة غير صينية. ورغم تأييد الحزبين الديمقراطي والجمهوري لهذا القانون ومصادقة المحكمة العليا عليه، فإن ترامب أرجأ تطبيقه ثلاث مرات، في انتظار تسوية شاملة مع بكين. وبحسب التسريبات، فإن الاتفاق الحالي يقضي بأن تسمح الصين بتفويض إدارة بيانات المستخدمين للجانب الأميركي مع تقاسم محدود في استخدام الخوارزميات، وهو تنازل غير مسبوق بالنظر إلى حساسية هذه التقنيات.
بين الحسابات الداخلية والخارجية
بالنسبة لترامب، تمثل الصفقة فرصة لتسويق إنجاز سياسي واقتصادي معاً: فهي تحافظ على التطبيق الشعبي بين الشباب الأميركي، وتمنحه ورقة ضغط إضافية على الصين مع اقتراب الانتخابات المقبلة. أما بكين، فهي ترى في الاتفاق فرصة لإظهار مرونتها أمام الرأي العام الدولي، والتأكيد على أن الشركات الصينية قادرة على العمل في بيئة تجارية عادلة إذا توفرت الضمانات. ومع ذلك، تبقى بعض الملفات الشائكة، مثل الرسوم الجمركية والملكية الفكرية، رهينة المفاوضات القادمة، ما يعني أن “تيك توك” قد يكون مجرد خطوة أولى على طريق طويل.
توازنات جيوسياسية
المكالمة لم تقتصر على الملفات الثنائية الاقتصادية والتجارية، بل تطرقت أيضاً إلى قضايا دولية، من بينها الحرب في أوكرانيا والجهود المبذولة لوقفها. تصريحات ترامب بأن المحادثة تناولت “الحاجة إلى إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا” تُظهر رغبة في ربط التعاون مع الصين بتفاهمات أوسع على المسرح العالمي. وفي المقابل، أبدى شي حرصاً على إبراز بلاده كقوة مسؤولة تدعم الاستقرار الدولي، مستشهداً بدور بكين وواشنطن كحليفين سابقين في الحرب العالمية الثانية. هذا الربط بين التاريخ والحاضر يعكس رغبة صينية في إعادة صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة كعلاقة “تنافسية–تعاونية”، بدل أن تظل عدائية صِرف.
هل تقود “تيك توك” إلى إعادة ضبط العلاقات؟
في المحصلة، تبدو المكالمة الهاتفية بين ترامب وشي أكثر من مجرد اتصال بروتوكولي، فهي مؤشر على بداية مسار قد يعيد رسم العلاقات الأميركية–الصينية بعد سنوات من التصعيد. صحيح أن الاتفاق حول “تيك توك” يبقى جزئياً ورمزياً، لكنه قد يفتح الباب أمام تسويات أوسع في ملفات التجارة والتكنولوجيا والأمن. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تتحول هذه الخطوة إلى بداية “إعادة ضبط” حقيقية بين القوتين الأكبر في العالم، أم أنها مجرد هدنة ظرفية تسبق جولة جديدة من المواجهة؟






