في ظلّ الحراك السياسي المتسارع الذي أعقب الانتخابات التشريعية العراقية الأخيرة، تبدو عملية اختيار رئيس الوزراء المقبل واحدة من أكثر المراحل حساسية وتعقيداً، نظراً لتشابك العوامل الحزبية والدستورية والضغوط الشعبية والإقليمية التي تتحكم في مسار تشكيل الحكومة. فعلى الرغم من أن نتائج الانتخابات أفرزت كتلة «الإعمار والتنمية» بزعامة رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني بوصفها الكتلة الفائزة الأولى، فإن المنظومة السياسية العراقية أثبتت، مرة جديدة، أن مسار اختيار رئيس الحكومة لا يتحدد فقط بنتائج صناديق الاقتراع، بل يخضع لتوازنات «الإطار التنسيقي» والكتل المتحالفة معه، ولتفاهمات الكرد والسنة، ولتأويلات دستورية كانت وما زالت محل خلاف منذ 2010.
أسباب الاعتراضات على منح السوداني ولاية ثانية
ورغم أن السوداني يتمسّك بشرعية فوزه الأول، ويؤكد أن ما جرى في التجارب الانتخابية السابقة يجعل من «الفائز الأول» غير قادر بالضرورة على تشكيل الحكومة، فإن هذا الطرح يواجه انتقادات قانونية جادة. فخبراء القانون الدستوري يشيرون إلى أن تفسير «الكتلة الأكبر» القائم على تشكيلها بعد الانتخابات، وليس وفق نتائجها، يمثّل مخالفة صريحة لروح الدستور. وقد أسست المحكمة الاتحادية السابقة لهذا التفسير عام 2010، ثم تحوّل إلى عرف سياسي يصعب تجاوزه رغم اعتراضات قانونية واسعة. ومع ذلك، فإن القوى الشيعية، وخصوصاً قوى «الإطار التنسيقي»، تتمسك بهذا التفسير باعتباره صادراً عن أعلى سلطة قضائية دستورية في البلاد، وبات يشكل الإطار الملزم الذي يتحكم في آليات التكليف.
ولعلّ أحد أبرز مظاهر التحدي في هذه المرحلة يتمثل في حالة الانقسام داخل «الإطار التنسيقي» نفسه، الذي يبدو أنه لم يحسم موقفه من دعم السوداني لولاية جديدة. فبينما يتمسّك بعض أطراف «الإطار» بالسوداني بوصفه «الخيار الطبيعي» للفائز الأول، تبدي أطراف أخرى، وعلى رأسها ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، اعتراضات صريحة على منح السوداني ولاية ثانية، لأسباب تتعلق بالخلافات داخل البيت الشيعي وبالتوازنات الداخلية مع الكتل الأخرى.
هذا الانقسام دفع «الإطار» إلى تشكيل لجنة لاختيار رئيس الوزراء المقبل، تضم شخصيات بارزة مثل عمار الحكيم وهمام حمودي وعبد السادة الفريجي، وهو ما أثار موجة واسعة من الانتقادات سياسياً وشعبياً. فالبعض رأى أن وضع «معايير» للشخصية المكلّفة، تتعلق بالشهادة والنزاهة والسلوك، يختزل منصباً سيادياً حساساً في معايير شكلية، بينما اعتبر آخرون أن هذه الخطوة تُعد محاولة لتجاوز المخرجات الانتخابية وتكريس منطق المحاصصة داخل «الإطار».
أولويات الإصلاح والإعمار
تضاف إلى ذلك التفاعلات المعقدة بين القوى الشيعية والكردية والسنية، والتي باتت تشكل محوراً أساسياً في عملية اختيار رئيس الحكومة. فرغم أن القوى الشيعية انطلقت أخيراً في إجراء مباحثات رسمية مع الشركاء السياسيين، فإن أي توافق نهائي لا يمكن أن ينجز دون تفاهمات مع القيادات الكردية والسنية، ولا سيما بعد أن ترك الطرفان باب ترشيح رئيس الجمهورية (بالنسبة للكرد) ورئيس البرلمان (بالنسبة للسنة) مفتوحاً دون حسم. وقد كشفت المعلومات عن أن وفداً يقوده نوري المالكي سيزور أربيل قريباً للقاء مسعود بارزاني بهدف بحث شكل الحكومة المقبلة، والشخصية التي ستكلّف بتشكيلها، إضافة إلى البرنامج الحكومي الذي يتوجب الاتفاق عليه مسبقاً. وهذا يشير إلى أن منصب رئيس الوزراء لم يعد شأناً شيعياً خالصاً، بل تحول إلى محور مساومات كبرى بين مكونات العملية السياسية برمتها.
وفي خضم هذه المفاوضات، يبرز تحدٍّ آخر يتمثل في طبيعة العلاقة بين السوداني وبقية أطراف «الإطار التنسيقي». فالسوداني، الذي شق طريقه السياسي داخل الإطار لكن بمرونة لافتة، اعتمد خلال ولايته خطاباً إصلاحياً وتوازناً في علاقاته مع الأطراف المختلفة، بما في ذلك القوى الكردية والسنية. وقد أكد في لقائه الأخير وفد الاتحاد الوطني الكردستاني أن المرحلة تستدعي تعزيز الشراكة والتعاون بين القوى الوطنية، والإسراع في تشكيل حكومة قادرة على تنفيذ أولويات الإصلاح والإعمار. هذا الخطاب ينسجم مع رغبة السوداني في تجديد ولايته، لكنه يصطدم برغبة أطراف داخل «الإطار» في استعادة الهيمنة على القرار التنفيذي، وفي إعادة تشكيل الحكومة بصورة تضمن مصالحها داخل الدولة والوزارات والهيئات.
تسوية سياسية لا تستند إلى شرعية
وإلى جانب التحديات السياسية والدستورية، تواجه عملية اختيار رئيس الوزراء تحدياً آخر هو ضغط الشارع العراقي. فالجمهور الذي تابع العملية الانتخابية بدقة وتفاعل مع نتائجها في بغداد وغيرها من المحافظات، لم يعد يتقبل بسهولة إعادة إنتاج النمط نفسه من التوافقات الفوقية التي لا تعكس الإرادة الشعبية. كما أن ذاكرة احتجاجات أكتوبر 2019 ما زالت حاضرة بقوة، وتفرض على جميع الأطراف أن تدرك أن أي تسوية سياسية لا تستند إلى شرعية مقبولة شعبياً قد تعيد المشهد إلى حالة الاضطراب.
ومن جانب آخر، فإن تداول الإعلام لأسماء مرشحين محتملين مثل السوداني وحيدر العبادي، يعكس في جزء منه محاولة لجس نبض القوى السياسية وإشعال النقاشات العامة، لكنه أيضاً يعكس حالة من انعدام اليقين داخل «الإطار التنسيقي». فحتى الآن، يصرّ المصدر المطلع على أن معظم الأسماء المتداولة غير دقيقة وتظهر في كل دورة انتخابية، لكنه مع ذلك يعترف بأن السوداني والعبادي هما أبرز المرشحين الواقعيين. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن القوى الشيعية لم تتفق بعد على شخصية حاسمة، ولا تزال تبحث عن صيغة توازن ترضي المالكي من جهة، وتضمن قبول الكرد والسنة والمجتمع الدولي من جهة أخرى.
ويجدر التأكيد أن مشهد الانقسام داخل البيت الشيعي هو امتداد لأزمة أعمق تعيشها المنظومة السياسية العراقية، وهي أزمة تتعلق بعجز القوى التقليدية عن إنتاج توافق مستدام حول شكل الدولة وإدارة الحكم. وقد أظهرت التجارب السابقة أن الاتفاقات التي تُفرض في اللحظات الأخيرة غالباً ما تكون هشة، وتنتج حكومات تتحرك بين الضغوط المتعارضة للأحزاب، دون قدرة حقيقية على تنفيذ برامج إصلاحية أو مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.
السوداني أمام اختبار مصيري
من هنا، فإن التحدي الأكبر في اختيار رئيس الوزراء المقبل لا يتمثل فقط في اسم الشخصية، بل في شكل التحالف السياسي الذي ستقوم عليه الحكومة المقبلة، وفي وضوح البرنامج الحكومي وقدرته على توحيد القوى السياسية حول رؤية مشتركة. فالعراق بحاجة ماسة إلى حكومة مستقرة، قادرة على تنفيذ تعهداتها، وتعزيز علاقة الدولة بالمجتمع، وتخفيف تأثير الصراعات الإقليمية على الداخل، وتحقيق اختراقات في ملفات الخدمات والاقتصاد ومحاربة الفساد.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن عملية اختيار رئيس الوزراء المقبل ستظل محكومة بقدر كبير من التعقيد والمفاوضات، وأن الانقسام داخل «الإطار التنسيقي» سيستمر عاملاً محدداً في مخرجات هذه العملية. كما ستبقى الكتل الكردية والسنية رقماً صعباً في معادلة التكليف، خصوصاً في ظل حرصها على ضمان مكاسب سياسية وإدارية في الحكومة الجديدة، بما يتناسب مع وزنها البرلماني وتحالفاتها الداخلية. وفي المقابل، فإن السوداني، حتى وإن حصل على دعم جزء من «الإطار»، سيواجه اختباراً مصيرياً يتعلق بقدرته على الحفاظ على علاقات متوازنة داخل البيت الشيعي، وبإقناع القوى الكردية والسنية بأنه قادر على قيادة حكومة شراكة وطنية حقيقية.
تبدو التحديات التي تحيط بعملية اختيار رئيس الحكومة العراقية المقبلة انعكاساً لأزمة نظام سياسي لم يستطع خلال عقدين أن ينتج مؤسسات مستقرة وقواعد واضحة للتداول السلمي للسلطة. وبينما تستعد القوى السياسية لجولات تفاوض شاقة خلال الأشهر الأربعة الدستورية لتشكيل الحكومة، سيظل السؤال الأهم معلقاً: هل سيتمكن العراق هذه المرة من تجاوز حالة الانقسام وبناء حكومة قادرة على إدارة المرحلة، أم ستعاد الكرة بمحاصصة جديدة لا تختلف كثيراً عن سابقاتها؟






