في خطوة تكشف ما يُخفيه الخطاب السياسي الإسرائيلي من أجندات بعيدة المدى، أفادت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعهّد لوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بالمضي قدمًا في تنفيذ خطة تهجير آلاف الفلسطينيين من قطاع غزة خلال الأسابيع المقبلة، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق مع حركة حماس. هذه الخطة، التي تتجاوز في مضمونها إطار التصعيد العسكري وتدخل في دائرة التغيير الديموغرافي القسري، تشير إلى تحول خطير في طبيعة الصراع مع الفلسطينيين، وتعيد إلى الواجهة مشهد التهجير الجماعي الذي يتهدد الكيانات الهشة في المنطقة.
المعلومات التي أوردتها الصحيفة تؤكد أن المشاورات الإسرائيلية بشأن هذه الخطة وصلت إلى مراحل متقدمة، حيث جرى عقد اجتماعات على أعلى المستويات بمشاركة ممثلين عن جهاز الموساد ووزارة الخارجية، بغرض تنسيق الأدوار وتوزيع الصلاحيات المتعلقة بتنفيذ سيناريو التهجير، والذي يبدو هذه المرة مختلفًا عن الطروحات السابقة، ليس فقط في طبيعته، بل في وجهته أيضًا، إذ كشفت التسريبات عن نية إسرائيل نقل الفلسطينيين عبر أراضيها باتجاه الأردن، بدلاً من مصر التي كانت الخيار المطروح في خطط سابقة.
هذا التوجه الجديد يفتح الباب أمام سلسلة من التوترات الدبلوماسية المحتملة، لا سيما مع رفض كل من مصر والأردن لهذا الطرح، واعتباره مساسًا مباشرًا بأمنهما القومي وخرقًا صريحًا للقانون الدولي. فالأردن، الذي يرزح تحت عبء ديموغرافي واقتصادي معقد، يدرك أن أي موجة تهجير من غزة ستُثقل كاهله وتعيد سيناريو اللجوء الفلسطيني إلى نقطة اللاعودة. أما مصر، فقد عبّرت في أكثر من مناسبة عن رفضها لأي محاولات لتفريغ غزة من سكانها، انطلاقًا من فهم استراتيجي يعتبر غزة خط الدفاع الأول عن سيناء.
الرفض العربي لهذه المخططات ليس جديدًا، إذ سبق أن فجّر إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في يناير الماضي نيته “تطهير” القطاع عبر نقل سكانه إلى مصر والأردن، موجة رفض واسعة النطاق على المستويين الشعبي والرسمي في العالم العربي، ناهيك عن ردود الفعل الدولية الغاضبة التي رأت في تلك التصريحات استفزازًا لمشاعر الشعوب وتهديدًا مباشرًا لاستقرار الإقليم بأكمله. أما حديث ترامب عن فرض سيطرة أميركية مباشرة على غزة، فقد بدا أقرب إلى مغامرة سياسية منفصلة عن أي واقع، ولم يجد لها أي صدى يُذكر حتى داخل المؤسسات الأميركية نفسها.
في مقابل هذا الضغط الإسرائيلي المتصاعد، تواصل السلطة الفلسطينية التحذير من خطورة مثل هذه السياسات، معتبرة أنها جزء من مشروع شامل لـ”حرب إبادة” ضد الشعب الفلسطيني. وتُدرج السلطة مخطط التهجير ضمن سلسلة الجرائم التي تنتهك المواثيق الدولية، وتندرج تحت بند “الجرائم ضد الإنسانية”، وهو ما يضع إسرائيل أمام مساءلة قانونية متزايدة في المحافل الدولية.
التحركات الإسرائيلية تأتي في توقيت حرج، إذ تواجه تل أبيب ضغوطًا دبلوماسية غير مسبوقة، تمثلت مؤخرًا في اعتراف عدد من الدول الغربية الكبرى، مثل بريطانيا وفرنسا وكندا، بالدولة الفلسطينية، ما يعكس تحولًا في المزاج الدولي نحو إعادة إحياء خيار “حل الدولتين” كمخرج سياسي دائم للصراع. هذا الاعتراف يضيف إلى عزلة إسرائيل الدولية، التي تتفاقم كلما اتسع نطاق انتهاكاتها ضد الفلسطينيين.
وسط هذا المشهد، تبقى خطة التهجير الإسرائيلية قنبلة موقوتة تهدد بخلط الأوراق من جديد، ليس فقط في غزة، بل في كامل الجوار الإقليمي. فالتمسك بالحلول القسرية واستبعاد الخيارات السياسية المتزنة لن يؤدي سوى إلى مزيد من التعقيد، ويعمّق الهوة بين إسرائيل والعالم، ويؤسس لجولات صراع قادمة قد تكون أكثر عنفًا وأشدّ اتساعًا من كل ما سبق.






