تتزايد الأصوات الفلسطينية المطالِبة بتدخل عاجل من المحكمة الجنائية الدولية، في ظل التصعيد الدموي الذي يشنّه جيش الاحتلال الإسرائيلي على المدنيين في قطاع غزة والضفة الغربية، والذي حوّل المدن الفلسطينية إلى ساحات مفتوحة للمجازر والانتهاكات. مطالبة رئيس المجلس الوطني الفلسطيني روحي فتوح بفتح تحقيق دولي تعكس حجم الإحباط من صمت المجتمع الدولي، وتكشف عن انسداد الأفق أمام الفلسطينيين في مواجهة جرائم حرب موصوفة، تتكرر بشكل يومي تحت غطاء سياسي وعسكري دولي.
تجريم الضحية
القصف العشوائي على الأحياء السكنية ومخيمات النازحين في غزة، وما خلّفه من استشهاد وإصابة عشرات الأطفال والنساء، ليس مجرد حادث عرضي بل سياسة متعمدة تهدف إلى تفريغ المدينة من سكانها عبر التهجير القسري. هذا النمط من الجرائم يعكس تصعيدا ممنهجا يرقى إلى “جريمة مركبة” تجمع بين الانتهاك المباشر لحق الحياة والاعتداء على السكان المدنيين، وبين مشروع سياسي طويل المدى يسعى لفرض وقائع ديموغرافية جديدة. وهو ما يجعل هذه الانتهاكات جزءا من منظومة أكبر تتعارض مع اتفاقيات جنيف وميثاق روما، وتستوجب المساءلة الجنائية دون استثناء.
لكن المفارقة الأبرز تتمثل في موقف الولايات المتحدة التي، بدلًا من مساءلة الاحتلال، اختارت فرض عقوبات على منظمات حقوقية فلسطينية، في خطوة يرى فيها فتوح محاولة لتجريم الضحية وتبرئة الجلاد. فهذه العقوبات تعني حرمان المؤسسات الحقوقية من أدوات التوثيق والمساءلة، ومن ثمّ تحويل مسرح الجرائم إلى منطقة محصّنة من الرقابة الدولية. الأمر الذي يعكس ازدواجية المعايير، ويكرّس سياسة الإفلات من العقاب التي تُغري الاحتلال بمزيد من التصعيد.
فضح التواطؤ الدولي
في موازاة ذلك، تأتي تصريحات وزير مالية الاحتلال المتطرف بتسلئيل سموتريتش حول ضم غالبية أراضي الضفة الغربية وطرد الفلسطينيين منها، كجزء من المشهد السياسي الذي يربط بين الحرب في غزة والمخطط الاستيطاني في الضفة. فالتطهير العرقي الممارس في القطاع، يقابله تسريع في توسيع المستوطنات، تحت حماية سياسية أميركية، بما يؤكد أن الاحتلال يستغل الأزمات لتوسيع مشروعه الاستعماري على حساب الوجود الفلسطيني.
هذه المعطيات تجعل من دعوة فتوح للجنائية الدولية اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة المؤسسات القضائية والحقوقية العالمية على كسر حلقة الإفلات من العقاب، وفضح التواطؤ الدولي الذي يحول دون مساءلة الاحتلال. فغياب العدالة لا يعني فقط استمرار الجرائم بحق الفلسطينيين، بل يفتح الباب واسعًا أمام انهيار منظومة القانون الدولي نفسها، وتحويلها إلى مجرد شعارات جوفاء تُستخدم انتقائيا وفق حسابات سياسية.






