تستيقظ نيجيريا مرة أخرى على فاجعة أمنية قاسية تعيد إلى الذاكرة الجماعية مشاهد اختطاف فتيات «شيبوك» عام 2014، بعدما خطف مسلحون أكثر من 300 تلميذ ومعلم من مدرسة سانت ماري الكاثوليكية في ولاية النيجر.
تصاعد العنف.. وصدمة وطنية
العملية التي نفذت فجر الجمعة لم تكن حدثاً معزولاً، بل جاءت كحلقة جديدة في سلسلة اختراقات أمنية تضرب قلب البلاد، وتعكس قدرة المجموعات المسلحة على تنفيذ هجمات واسعة النطاق دون ردع فعلي، وبينما تحاول السلطات استيعاب حجم الصدمة، تتزايد الأسئلة حول مشهد أمني يبدو أنه يزداد هشاشة يوماً بعد يوم.
وتسببت العملية في حالة رعب واسعة بين الأهالي الذين لم يستوعبوا بعد حقيقة اختفاء أطفالهم في جنح الليل على أيدي جماعات مجهولة، يُعتقد أنها تنتمي إلى خلايا إجرامية متحالفة مع تنظيمات متطرفة.
وقد أعلنت رابطة مسيحيي نيجيريا أن عدد الضحايا بلغ 303 تلامذة و12 معلماً، بعد مراجعة دقيقة لسجلات المدرسة. هذا الرقم الضخم فتح الباب أمام جدل واسع حول كيفية قدرة المسلحين على اقتحام مؤسسة تعليمية بهذا الحجم دون استشعار السلطات لأي تحركات مسبقة.
وجاء الهجوم ليشكل ضربة موجعة للمنظومة الأمنية النيجيرية التي تواجه منذ سنوات تصاعداً في أنشطة العصابات المسلحة المعروفة محلياً بـ«قطاع الطرق»، إضافة إلى حركات متشددة ترتبط بـ«بوكو حرام» و«أنصارو».
وتزامن الخطف الجماعي مع استمرار عمليات مشابهة في ولايات شمالية أخرى، من بينها ولاية كيبي، حيث اختطف قبل أيام 25 فتاة من مدرسة داخلية للبنات. هذا التسلسل الزمني السريع يعزز الانطباع بأن البلاد تواجه موجة عنف منظمة تتجاوز حدود الجرائم العشوائية.
وتشير شهادات أولية من ناجين تمكنوا من الفرار خلال الهجوم إلى أن المسلحين كانوا يتحركون بشكل منسق ويستخدمون أسلحة متطورة، فيما جرى اقتياد الأطفال سيراً على الأقدام في اتجاه الغابات الكثيفة المحيطة بالمنطقة.
هذه الروايات تزيد من حجم المخاوف المرتبطة بمصير المختطفين، خصوصاً في ظل تجارب سابقة انتهت بعمليات تفاوض معقدة أو بتدخلات عسكرية محفوفة بالمخاطر.
مدارس بلا حماية
وتكشف عملية الخطف عن ضعف واضح في الاستعدادات الأمنية للمدارس، خصوصاً الداخلية منها، التي أصبحت هدفاً مفضلاً للعصابات المسلحة. وكانت حكومة ولاية النيجر قد أمرت بإغلاق جميع المدارس الداخلية في المنطقة مؤقتاً، محذرة من أن تجاهل الإجراءات الأمنية قد يؤدي إلى تكرار المأساة.
لكن المفارقة أن مدرسة سانت ماري كانت قد استأنفت الدراسة دون إخطار الجهات الرسمية، الأمر الذي أثار جدلاً حول مسؤولية الإدارة المباشرة في تعريض الطلاب للخطر.
وفي سياق متصل، يظهر الهجوم أن المدارس الواقعة في المناطق الريفية تُدار غالباً بموارد محدودة يجعل من الصعب توفير حماية أمنية عالية المستوى، ويعتمد الكثير منها على حراس محليين بلا تدريب كافٍ، أو على أسوار غير مجهزة لمنع الاقتحامات. هذه الفجوات الأمنية تمنح الجماعات المسلحة القدرة على تنفيذ هجماتها بسهولة، مستغلة مساحة البلاد الواسعة وصعوبة الرقابة على المناطق النائية.
كما أعادت العملية فتح ملف «غابات نيجيريا» التي تعد ملاذاً للعصابات والإرهابيين، وتغطي مساحات شاسعة بين ولايات الوسط والشمال الغربي، وتشير تقارير أمنية إلى أن هذه الغابات تحولت خلال السنوات الماضية إلى قواعد خلفية للجماعات المسلحة، حيث يتم نقل المختطفين وسط تضاريس معقدة تعيق عمليات الملاحقة. وهو ما أكده مصدر أممي تحدث لوكالة الصحافة الفرنسية، مشيراً إلى نقل الأطفال إلى غابة «بيرنين غواري» في ولاية كادونا.
وتبرز هنا إشكالية أعمق مرتبطة بعجز الحكومة عن استعادة السيطرة الكاملة على هذه الغابات، رغم نشرها وحدات أمنية إضافية وتفعيل عمليات تمشيط متفرقة، ومع ضعف البنية الأمنية في المناطق الريفية، تصبح المدارس هدفاً سهلاً لا يحتاج سوى هجوم مباغت لتنفيذ عملية خطف واسعة مثل تلك التي حدثت في سانت ماري.
رد حكومي متأخر
وأثار تأخر السلطات في إعلان عدد الضحايا استياءً واسعاً بين الأهالي الذين اعتبروا أن الحكومة لم تستوعب حجم الكارثة منذ اللحظة الأولى، وحتى بعد مرور أكثر من 24 ساعة على الحادث، لم تصدر السلطات حصيلة رسمية، بل اكتفت بالتأكيد على بدء عمليات التمشيط ونشر قوات إضافية لتعقب المسلحين.
وفي المقابل، اتخذ الرئيس النيجيري بولا تينوبو خطوة لافتة بإلغاء رحلاته الدولية ووضع القوات الأمنية في حالة تأهب قصوى.
هذا التصعيد السياسي أعاد فتح النقاش حول قدرة الحكومة الفيدرالية على مواجهة تمدد العصابات المسلحة، وسط اتهامات بأنها تعتمد حلولاً تكتيكية بدلاً من استراتيجية شاملة، ويتساءل مراقبون: لماذا لم تُحصّن المدارس رغم سلسلة الهجمات المتكررة منذ عام 2021؟ ولماذا لا تزال الجماعات المسلحة قادرة على تنفيذ هجمات بهذا الحجم دون اعتراض فعّال؟
إلى جانب ذلك، أثار إغلاق المدارس الداخلية مخاوف حول مستقبل التعليم في المناطق الريفية، حيث يعتمد آلاف الطلاب على السكن الداخلي لمواصلة تعليمهم، ومع تزايد المخاطر الأمنية، بات كثيرون يتحدثون عن «أزمة تعليم وشيكة» قد تعمّق الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية، وتترك جيلاً كاملاً عرضة للحرمان من التعليم.
كما تزامن الهجوم مع تصاعد التوتر الدولي على خلفية تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي هدد هذا الشهر بتحرك عسكري رداً على ما وصفه بأنه «قتل للمسيحيين في نيجيريا».
هذه التصريحات أثارت جدلاً واسعاً داخل البلاد، ودفعت البعض إلى التساؤل عما إذا كان تصاعد العنف الحالي مرتبطاً بحسابات سياسية معقدة تتجاوز حدود نيجيريا نفسها.
الغابة.. ساحة معركة مفتوحة
تشير المعلومات الأولية إلى أن المسلحين نقلوا الأطفال المختطفين إلى غابة بيرنين غواري، وهي منطقة معروفة بأنها مركز نشاط للجماعات الإجرامية المسلحة. وتعد هذه الغابة واحدة من أكثر المناطق وعورة في نيجيريا، ما يجعل عمليات الإنقاذ العسكرية محفوفة بالمخاطر، خصوصاً في ظل وجود مختطفين بهذا العدد الكبير، وسبق للحكومة أن نفذت عمليات مشابهة انتهت بتبادل إطلاق نار أسفر أحياناً عن خسائر بين المختطفين أنفسهم.
وتواجه القوات الأمنية تحدياً كبيراً يتمثل في صعوبة تحديد مكان الأطفال بدقة، بسبب اتساع مساحة الغابات وتشعب المسارات فيها، إضافة إلى اعتماد العصابات على تكتيكات «الانتشار السريع» وتغيير مواقعها باستمرار، كما تشير تقارير استخباراتية إلى أن هذه الجماعات غالباً ما تتلقى دعماً لوجستياً من شبكات محلية تمتد عبر ولايات عدة.
ومع ذلك، يرى محللون أن نجاح عملية الإنقاذ يعتمد إلى حد كبير على جمع معلومات دقيقة من السكان المحليين الذين لطالما لعبوا دوراً محورياً في كشف تحركات هذه العصابات، إلا أن الخوف من الانتقام يجعل التعاون محدوداً، خاصة في المناطق التي تنتشر فيها مجموعات «قطاع الطرق» الذين يفرضون نفوذهم بقوة السلاح.
ومع تزايد الضغوط السياسية على الحكومة النيجيرية، يبدو أن الساعات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير المختطفين ومستقبل المواجهة مع الجماعات المسلحة التي باتت تملك القدرة على تنفيذ عمليات صادمة بهذا الحجم في قلب البلاد.
الفوضى الأمنية تهدد بنية الدولة
يرى د. إيمانويل أديغو، مختص في الأمن الإفريقي، أن الهجوم الأخير يمثل دليلاً إضافياً على أن نيجيريا تواجه تحدياً أمنياً يتجاوز قدرات المؤسسات التقليدية، ويؤكد أن البلاد بحاجة إلى إعادة هيكلة شاملة لقطاع الأمن، تشمل تطوير أجهزة الاستخبارات، وتعزيز الحضور العسكري في المناطق الريفية، وإغلاق الثغرات التي تستغلها العصابات للتنقل وتنفيذ عملياتها.
ويشير أديغو إلى أن غابات نيجيريا تحولت إلى «دولة داخل الدولة» تُدار فيها شبكات تهريب وخطف وتسليح معقدة. ويرى أن بقاء هذه الغابات خارج السيطرة الرسمية يمثل خطراً استراتيجياً يهدد الأمن القومي على المدى الطويل، ويجعل من أي مواجهة مع العصابات عملية مكلفة وغير مضمونة النتائج.
ويشرح الخبير أن عمليات الخطف مقابل الفدية تمثل مصدر التمويل الأساسي للعصابات، وأن استمرار الحكومة في دفع مبالغ مالية ضخمة سرّاً خلال السنوات الماضية ساهم في توسيع شبكات الخطف، ويؤكد أن وقف هذا التمويل يتطلب آلية دولية تراقب حركة الأموال، وتحد من قدرة الجماعات على شراء السلاح.
ويرى أديغو أن تهديدات ترمب الأخيرة أعطت الأزمة بُعداً دولياً جديداً، وقد تدفع الحكومة النيجيرية لاتخاذ خطوات أكثر صرامة لتجنب تدخل خارجي، لكنه يحذر في الوقت ذاته من أن تصاعد الخطاب الدولي قد يدفع الجماعات المتطرفة لتكثيف هجماتها لإحراج الحكومة وإظهار ضعفها أمام الرأي العام العالمي.
عودة «بوكو حرام» إلى الواجهة
تؤكد د. فاطمة بيلو، باحثة في شؤون الجماعات المتطرفة، أن توقيت الهجوم يشير إلى احتمال وجود صلة واضحة بين العصابات المسلحة وتنظيمات متطرفة مثل «بوكو حرام» أو جماعة «أنصارو»، وتوضح أن هذه التنظيمات تسعى منذ فترة لإعادة فرض نفوذها في مناطق الوسط، مستغلة تراجع حضور الدولة، وانتشار الأزمات الاقتصادية التي تسهّل تجنيد عناصر جديدة.
وترى بيلو أن استهداف المدارس ليس عشوائياً، بل جزء من استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى ضرب التعليم وخلق بيئة مجتمعية هشّة. فاختطاف أعداد ضخمة من الأطفال يبعث رسالة مفادها أن الدولة عاجزة عن حماية أبنائها، وهو ما يعزز رواية الجماعات المتطرفة بأنها البديل الأقوى، ويدفع السكان للرضوخ لسلطتها.
وتشير بيلو إلى أن العصابات تعتمد بشكل كبير على دعم مجتمعي محدود لكنها تقول إنه «حاسم»، سواء عبر توفير معلومات أو إخفاء عناصر مطاردة، وتؤكد أن معالجة الأزمة تتطلب استراتيجيات موازية تشمل تحسين الخدمات في المناطق الريفية، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، حتى لا تصبح هذه المناطق خزانات بشرية للجماعات المسلحة.
الحل يبدأ من التعليم
وتختم الخبيرة بالقول إن حماية المدارس يجب أن تصبح أولوية وطنية، ليس فقط عبر قوات أمنية مسلّحة، بل من خلال تطوير أنظمة إنذار مبكر، وتدريب الإدارات التعليمية على إدارة الأزمات، وتحسين البنية التحتية، فالمعركة، من وجهة نظرها، ليست فقط مع عصابات الخطف، بل مع انهيار اجتماعي متكامل تهدد به هذه الهجمات المتكررة.






