شهدت العاصمة الليبية طرابلس هدوءاً نسبياً بعد أيام من التوتر بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وقوات “جهاز الردع” المناوئة لها، وذلك عقب التوصل إلى اتفاق يهدف إلى إنهاء التحشيد العسكري وإعادة الاستقرار إلى مفاصل العاصمة.
مصادر من قوة الردع كشفت، إن الاتفاق تضمّن تكليف قوة موحدة ومحايدة لإدارة وتأمين المطارات الرئيسية، وعلى رأسها مطار طرابلس الدولي، مطار مصراتة، إضافة إلى مطاري زوارة ومعيتيقة.
إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية
بنود الاتفاق لم تتوقف عند المطارات، بل شملت تغيير آمر الشرطة القضائية، وتعيين شخصية توافقية بين الطرفين لضمان الحياد، في خطوة وُصفت بأنها محاولة لإعادة بناء الثقة المتآكلة بين القوى الأمنية المختلفة.
كما تقرر أن تكون إدارة شؤون السجناء تحت سلطة مكتب النائب العام، باعتباره مؤسسة رسمية تحظى بشرعية قانونية ومؤسساتية.
قوة فض النزاع كضامن
الاتفاق نص على أن تضطلع قوة فض النزاع بدور الضامن لتنفيذ الترتيبات المتفق عليها، ومتابعة التزام جميع الأطراف بما ورد في الوثيقة.
هذه الخطوة رآها مراقبون بمثابة “صمام أمان” يهدف إلى منع أي طرف من الانقلاب على ما تم الاتفاق عليه أو فرض أمر واقع جديد بالقوة المسلحة.
عودة التشكيلات إلى ثكناتها
من أبرز ما حمله الاتفاق أيضاً إنهاء حالة التحشيد المستمرة، وإلزام جميع التشكيلات المسلحة بالعودة إلى ثكناتها ومقارها السابقة.
هذه النقطة تحديداً تُعد اختباراً عملياً لجدية الأطراف في طي صفحة المواجهات، خاصة أن طرابلس شهدت منذ مايو الماضي مواجهات عنيفة على خلفية مقتل عبد الغني الككلي رئيس جهاز دعم الاستقرار، الأمر الذي فجر غضباً شعبياً واسعاً.
الدبيبة بين هدنة سابقة وتسوية جديدة
رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة كان قد أعلن في يونيو الماضي عن هدنة بعد اتفاقه مع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي على إخلاء العاصمة من المظاهر المسلحة.
غير أن تلك الهدنة سرعان ما اهتزت مع عودة الاشتباكات بشكل متقطع بين الحين والآخر. واليوم يأتي الاتفاق الجديد مع قوة الردع كمحاولة ثانية لإرساء الاستقرار الأمني وبسط سيطرة الدولة.
المشهد الليبي: استقرار هش أم بداية مسار سياسي؟
رغم أن الاتفاق الحالي نجح في تهدئة الأوضاع، إلا أن كثيرين يشككون في قدرته على الصمود طويلاً، في ظل انعدام الثقة بين القوى المسلحة، وتعدد الولاءات السياسية والعسكرية.
ويؤكد مراقبون أن أي اتفاق أمني سيبقى هشاً ما لم يُرفق بخطوات جادة نحو مسار سياسي شامل يقود البلاد إلى انتخابات طال انتظارها.
تبقى الأنظار شاخصة إلى الأيام المقبلة، حيث سيتضح ما إذا كان الاتفاق سيُترجم فعلياً على الأرض أم أنه سينضم إلى سلسلة تفاهمات لم تُنفذ. وبين التفاؤل الحذر والريبة من النوايا، يبقى المواطن الليبي هو الخاسر الأكبر في ظل استمرار غياب مؤسسات الدولة واستمرار هيمنة السلاح.
دلالات الاتفاق في ميزان السياسة
وفقا لخبراء، فإن الاتفاق بين الدبيبة وقوة الردع يعكس إدراك الطرفين أن استمرار التصعيد لن يخدم أي طرف داخلي، بل يفتح الباب أمام تدخلات خارجية أوسع. هذه الخطوة تشير إلى أن الحكومة تسعى إلى تثبيت موقعها السياسي، فيما تسعى قوة الردع إلى ضمان بقائها لاعباً أساسياً في المشهد الأمني.
رغم أن الاتفاق ركز على ملفات أمنية مثل المطارات والسجون، إلا أنه في جوهره محاولة لإعادة إنتاج معادلة “الأمن مقابل الشرعية”. فالحكومة التي تفتقر إلى توافق وطني شامل تحاول استمالة القوى المسلحة عبر منحها أدواراً مؤسسية، بينما تظل المؤسسات الرسمية عرضة للاختراق من الميليشيات.
انعكاس على الانتخابات المرتقبة
الاستقرار الأمني شرط أساسي لإجراء أي انتخابات عامة في ليبيا. وفي حال التزم الطرفان ببنود الاتفاق، قد يُسهم ذلك في تهيئة المناخ لإعادة إحياء المسار الانتخابي المتعثر. لكن في المقابل، أي انتكاسة أو تجدد للاشتباكات ستؤدي إلى وأد هذه الفرصة وعودة البلاد إلى نقطة الصفر.
الاتفاق لا يمكن فصله عن الضغوط الإقليمية والدولية التي تدفع باتجاه تهدئة الأوضاع في طرابلس. فاستمرار الفوضى يضر بمصالح دول الجوار والاتحاد الأوروبي على حد سواء، خصوصاً فيما يتعلق بملف الهجرة غير الشرعية وتدفق النفط الليبي. وبالتالي، من المرجح أن يحظى الاتفاق بدعم دولي مشروط بالتنفيذ الفعلي.
وكشف محللون، أن التحدي الأكبر يبقى أمام الاتفاق هو ترجمة البنود إلى واقع ملموس، فعودة الميليشيات إلى ثكناتها، وتسليم إدارة السجون للنائب العام، كلها خطوات تحتاج إلى التزام صريح، لا مجرد وعود.، فنجاح التنفيذ سيكون نقطة تحول نحو استقرار أكبر، أما فشله فسيعيد العاصمة إلى دوامة الصراع، ويضعف أكثر ثقة المواطن الليبي في إمكانية بناء دولة مؤسسات حقيقية.






