تطرح تصريحـات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب لعام 2025 سؤالاً محورياً حول حدود وصلاحيات الهيئة الوطنية للانتخابات، وما إذا كانت التجاوزات التي شهدتها بعض الدوائر الفردية — بما في ذلك التجاوزات المرتبطة بالمال السياسي — قد تشكّل مبرراً كافياً لإلغاء العملية الانتخابية كلياً أو جزئياً. ومن خلال قراءة دقيقة لرسالة الرئيس، وما تضمنته من دعوة واضحة للهيئة الوطنية للانتخابات بعدم التردد في اتخاذ قرار الإلغاء، تتبلور مجموعة من المؤشرات السياسية والقانونية والدلالية التي تسمح باستشراف مدى إمكانية تطبيق هذا الإجراء الاستثنائي.
إرادة الناخبين في وجه تجاوزات المرشحين
بدايةً، يحيل حديث الرئيس إلى الطبيعة القانونية للهيئة الوطنية للانتخابات باعتبارها «هيئة مستقلة في أعمالها». هذه الإشارة ليست تقنية فقط، بل تعكس رسالة سياسية تتضمن رفع أي مسؤولية مباشرة عن السلطة التنفيذية بشأن الحسم في التجاوزات الانتخابية، وإعادة الأمر إلى الجهة المخوّلة دستورياً وقانونياً. وبذلك يمنح الخطاب الرسمي للهيئة مساحة للتصرف دون ضغط، ما يفتح الباب أمام دراسة احتمالات الإلغاء وفق المعايير القانونية والمعطيات الميدانية.
من الناحية القانونية، تُعد الهيئة الوطنية للانتخابات صاحبة الولاية الكاملة على العملية الانتخابية، وممارسة الصلاحيات التي تشمل فحص الطعون، تحديد المخالفات، واتخاذ قرارات الإلغاء الجزئي أو الكلي للانتخابات في حال تعذر الوصول إلى إرادة الناخبين الحقيقية. وبما أن الرئيس نفسه أشار صراحة إلى ضرورة التأكد من «حصول مندوب كل مرشح على صورة من كشف حصر الأصوات»، فإن ذلك يعكس وجود شكاوى أو بلاغات قد تتعلق بحجب أو تشويه البيانات الانتخابية أو التأثير غير القانوني على سير الفرز، وهي مخالفات خطيرة قد تمسّ جوهر العملية الانتخابية.
تحكم المال السياسي
ومع ذلك، فإن القضية الأكثر تعقيداً تتمثل في «المال السياسي»، وهو مفهوم يشير إلى استخدام الموارد المالية بهدف التأثير على إرادة الناخبين أو توجيه السلوك الانتخابي. هذا النوع من التأثير لا يُعد جديداً على السياق الانتخابي المصري أو الإقليمي عموماً، لكنه يأخذ أشكالاً مختلفة تتراوح بين شراء الأصوات بصورة مباشرة، وتقديم خدمات أو مساعدات عينية، وتمويل دعايات تجاوز الحدود القانونية. ورغم أن الرئيس في تغريدته لم يشر مباشرة إلى المال السياسي، فإن طلبه من الهيئة «الإعلان عن الإجراءات المتخذة نحو ما وصل إليها من مخالفات في الدعاية الانتخابية» يحيي الفرضية بأن بعض التجاوزات ذات طابع مالي أو غير قانوني في الدعاية.
من هنا يصبح السؤال: هل يمكن فعلاً إلغاء الانتخابات في دوائر تشهد تدخل المال السياسي؟ الإجابة في إطار القانون المصري ليست مستبعدة. فالمال السياسي، متى ثبت أنه أثّر تأثيراً جوهرياً في سير الانتخابات أو في حرية الناخبين، يشكل مخالفة قد ترقى إلى حد «تعذر الوصول إلى الإرادة الحقيقية للناخب»، وهي العبارة التي وردت في خطاب الرئيس. وتعذر الوصول إلى الإرادة الحقيقية يشكّل معياراً قانونياً عاماً يسمح للهيئة بإعادة الانتخابات، إذ لا تقتصر المخالفات المؤدية للإلغاء على أعمال العنف أو التلاعب بالفرز فقط، بل تشمل أيضاً الإكراه المالي أو التأثير غير المشروع.
لكن من الناحية العملية، يبقى إثبات تدخل المال السياسي تحدياً كبيراً. فالهيئة لا يمكنها الاعتماد فقط على الشكاوى العامة أو الانطباعات الاجتماعية، بل يتطلب الأمر إجراءات قانونية دقيقة تشمل تقارير لجان المتابعة، الأدلة الموثّقة، شهادات من جهات محايدة، وربما تحقيقات موسعة. وفي كثير من الأنظمة الانتخابية، بما فيها مصر، يكون الخيط الفاصل بين «الدعاية المبالغ فيها» و«المال السياسي المؤثر» خيطاً رفيعاً يصعب تحديده دون وجود دلائل دامغة. لذلك، ورغم أن القانون يسمح، إلا أن تنفيذ الإلغاء بناء على المال السياسي وحده يحتاج إلى مستوى من الإثبات العملي الذي قد لا يتوافر دائماً.
شرعية البرلمان القادم
مع ذلك، فإن حديث الرئيس عن «عدم التردد في الإلغاء الكامل لهذه المرحلة من الانتخابات أو إلغائها جزئياً» يبعث برسالة قوية حول إمكانية اتخاذ قرار كبير إذا لزم الأمر. ويعكس الخطاب توجهاً نحو تعزيز شرعية البرلمان القادم في مواجهة الانتقادات المحتملة على العملية الانتخابية. فالدعوة العلنية للإلغاء، بما فيها إمكانية إلغاء المرحلة برمتها، تُظهر انفتاحاً على اتخاذ خطوة غير معتادة في سبيل حماية مصداقية الانتخابات، حتى لو كانت الكلفة السياسية والتنظيمية عالية.
وتحمل دعوة الرئيس كذلك بُعداً آخر يتعلق بتوجيه رسالة للفاعلين السياسيين والمرشحين، مفادها أن الدولة لن تغضّ الطرف عن التجاوزات. وهذا يشمل السلوكيات المرتبطة بالمال السياسي الذي أصبح في العديد من الدوائر يمثل جزءاً من «ثقافة انتخابية» تفرض هيمنتها على المنافسة. وبالتالي قد تكون الدعوة إلى الإلغاء وسيلة ردع ورسالة لضبط الأداء في المراحل الانتخابية اللاحقة.
من جهة أخرى، فإن التحليل السياسي لهذا الموقف يكشف رغبة في تعزيز الثقة الشعبية بالعملية الانتخابية، خصوصاً في مرحلة تشهد حاجة إلى برلمان يتمتع بقدر من الشرعية السياسية والاجتماعية، نظراً للدور التشريعي والرقابي المتوقع أن يضطلع به. وإذا كانت هناك مؤشرات حقيقية على تفشي المال السياسي أو وقوع تجاوزات تؤثر في النتائج، فإن اتخاذ قرار بإعادة الانتخابات في بعض الدوائر قد يعزز مصداقية المؤسسة التشريعية أكثر مما يضعفها.
أما على مستوى التوازن بين المخاطر والفوائد، فإن إمكانية الإلغاء تثير أيضاً تساؤلات حول الاستقرار السياسي والإداري. فإعادة الانتخابات تعني تأخير تشكيل مجلس النواب، وإعادة ترتيب الجداول الزمنية، وتحمّل تكاليف مالية أكبر. لكنها في المقابل تمنح العملية الانتخابية قدراً أعلى من النزاهة وتمنع الطعون اللاحقة التي قد تهدد استقرار المجلس. وبذلك يصبح الإلغاء – رغم كونه إجراءً استثنائياً – خياراً مقبولاً إذا كانت المخالفات واسعة النطاق أو مؤثرة بدرجة كبيرة.
القدرة على اتخاذ قرار مستقل
وعند تقييم السياق الراهن، يتضح أن تصريح الرئيس لم يأتِ بمعزل عن تقارير أو مؤشرات حول حدوث أحداث غير اعتيادية في بعض الدوائر، ما يعني أن الهيئة الوطنية للانتخابات أمام مسؤولية ثقيلة تتجاوز مجرد فحص الطعون الروتيني. فالدعوة إلى «التدقيق التام» قد تكون إشارة إلى أن الهامش المتروك للهيئة ليس شكلياً، بل فعلي، وأن اتخاذ قرار حاسم قد يكون مطلباً سياسياً قبل أن يكون مطلباً قانونياً.
يمكن القول إن إلغاء الانتخابات في بعض الدوائر بسبب التجاوزات وتحكم المال السياسي أمر ممكن قانونياً ومطروح سياسياً ومحتمل عملياً إذا ثبتت المخالفات بأدلة قاطعة. غير أن تنفيذه يعتمد على حجم التجاوزات، ومدى تأثيرها في النتائج، وقدرة الهيئة الوطنية للانتخابات على جمع الأدلة واتخاذ قرار مستقل. كما أن الرسالة السياسية الواضحة من خطاب الرئيس تمنح الهيئة غطاءً لاتخاذ هذا النوع من القرارات، ما يجعل إمكانية الإلغاء – سواء الجزئي أو الكامل – خياراً واقعياً في حال تعذر الوصول إلى إرادة الناخبين الحقيقية.






