في وقت تعيش فيه ليبيا على وقع انسداد سياسي وأزمات أمنية متكررة، تتجه الأنظار إلى خارطة الطريق التي تعدها بعثة الأمم المتحدة، كفرصة أخيرة لإخراج البلاد من دوامة المراحل الانتقالية.
ففي تصريح حديث، أكدت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا، هانا تيتّه، أن البعثة تعمل حاليًا على إعداد خارطة طريق سياسية سيتم عرضها على مجلس الأمن الدولي خلال قمة مرتقبة في 20–21 أغسطس 2025.
وأوضحت أن هذه الخارطة لا تعتمد فقط على مداولات سياسية مغلقة، بل تم تطويرها استنادًا إلى لقاءات مباشرة مع الأطراف الليبية، ومكالمات ومشاورات إلكترونية مع أطياف المجتمع الليبي، وهو ما يمنحها بعدًا تشاركيًا غير مسبوق.
نحو خارطة طريق قابلة للتطبيق
أبرز ما تميزت به خارطة الطريق الجديدة – وفق ما أوضحته تيتّه – هو أنها لا تسعى إلى تمديد المراحل الانتقالية، بل تستهدف مباشرة تأسيس بيئة دستورية وقانونية ملائمة لإجراء انتخابات شاملة.
وتنص أبرز التوصيات المطروحة على فصل الانتخابات الرئاسية عن التشريعية، لضمان مرونة أكبر في التنفيذ وتفادي التوترات التي أجهضت محاولات سابقة لإجراء الاقتراع.
كما توصلت لجنة “6+6″، المكوّنة من أعضاء بمجلسي الدولة والنواب، إلى اتفاق مبدئي بشأن تعديل الإعلان الدستوري وإعادة صياغة القوانين الانتخابية، وهو ما يُعد حجر الزاوية في هذه الخارطة الجديدة.
محللون: ليبيا أمام فرصة تاريخية
يرى المحلل السياسي الليبي فرج عبد الله الورفلي، أن طرح خارطة الطريق الأممية الجديدة يمثل “الفرصة الأخيرة” لإجراء انتخابات في مناخ مقبول نسبيًا، محذرًا في الوقت نفسه من محاولات أطراف داخلية “تحقيق مكاسب سياسية من خلال إطالة أمد الوضع الراهن”.
ويضيف الورفلي: “الضغط الدولي والاتفاقات الأممية قد يوفران مناخًا جيدًا، لكن بدون توافق داخلي حقيقي وتنازلات من النخب، ستبقى الخارطة حبرًا على ورق”.
بدورها، تقول الباحثة السياسية ريم السويحلي، إن “الرهان الحقيقي ليس فقط على الانتخابات، بل على ضمان حيادية المؤسسات التي ستدير هذه الانتخابات”، محذّرة من “انزلاق المسار نحو صراعات قانونية جديدة في حال استمر غياب الثقة بين الفرقاء”.
تحديات التنفيذ: بين الطموح والواقع
رغم التقدم النسبي، لا تخلو المرحلة المقبلة من تحديات حاسمة. إذ تشير المعطيات الميدانية إلى مقاومة قوى سياسية داخلية لأي تغيير قد يفقدها مكاسبها، وخلافات جوهرية بين مجلسي النواب والدولة حول توزيع الصلاحيات وتعديل القوانين الانتخابية، وتحديات أمنية على الأرض، لا سيما في مناطق الجنوب، تعيق تنفيذ أي عملية اقتراع نزيه وشامل، كما تبقى مسألة توحيد المؤسسات، وعلى رأسها السلطة التنفيذية، شرطاً أساسياً لضمان نجاح أي انتخابات محتملة.
الأمم المتحدة تعيد ليبيا إلى الطاولة
من جانبها، تؤكد بعثة الأمم المتحدة أنها تسعى إلى بناء مسار شرعي واضح بقبول محلي واسع، لا إلى إنتاج تسوية شكلية، وتُعوّل على الدعم الدولي لإخراج ليبيا من حالة “التدوير السياسي”، كما وصفها مراقبون.
ومن المرتقب أن تقدم البعثة تقريرها النهائي إلى مجلس الأمن في 21 أغسطس، يتضمن إطارًا زمنيًا، وآلية تنفيذ تفصيلية، ومرجعية قانونية واضحة.
على أبواب يناير.. هل تبدأ ليبيا صفحة جديدة؟
يتوقع دبلوماسيون أمميون أن تبدأ خارطة الطريق بالدخول في حيز التنفيذ مطلع يناير 2026، في حال توافقت الأطراف المحلية على التفاصيل النهائية.
ويرى مراقبون أن نجاح الخارطة الجديدة مرهون بتوافر ثلاثة شروط أساسية:
1. ضمان أمن الانتخابات عبر إشراف دولي ومحلي متكامل.
2. إجماع سياسي لا يُقصي أي مكون رئيسي.
3. دعم مالي ولوجستي للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
استحقاق المصالحة أو طريق العودة
في ظل الانقسام المؤسساتي وتراجع ثقة المواطن الليبي في الطبقة السياسية، يبدو أن خارطة الطريق الأممية الجديدة تقف على مفترق حاسم: فإما أن تمهد الطريق نحو دولة موحدة وحكم ديمقراطي مستقر، أو تعيد البلاد إلى دائرة الصراعات والصدامات الانتقالية التي أثقلت كاهلها لأكثر من عقد.
وبينما ينتظر الليبيون القرار الأممي، فإن القرار الحقيقي لا يزال في أيديهم… فهل يُعيدون بناء وطنهم من بوابة التوافق؟ أم تفشل الخارطة كما فشلت سابقاتها؟






