شهدت كل من بورتلاند وشيكاغو صباح الأحد حالة من الارتباك الأمني والسياسي، بعدما بدأت مئات من عناصر الحرس الوطني الأميركي مغادرة مواقع تمركزها، تنفيذًا لقرارات قضائية صدرت خلال الأسابيع الماضية.
الانسحاب يبدأ وسط أسئلة معلّقة
هذا التطور غير المسبوق أثار موجة من التساؤلات حول مستقبل المشهد الأمني في المدينتين اللتين تواجهان أصلاً تحديات معقدة مرتبطة بالجريمة والاحتجاجات والانقسامات السياسية بين الحكومات المحلية والإدارة الفيدرالية.
جاء الانسحاب بعد شهور من التوتر بين البيت الأبيض وحكومات الولايات ذات التوجه الديمقراطي، التي اعتبرت أن نشر الحرس الوطني في شوارع المدن كان خطوة مبالغًا فيها وغير مبررة، خاصة أنه جاء بقرار مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، دون تنسيق كامل مع السلطات المحلية. وقد رأت هذه الولايات أن الوجود العسكري شكل ضغطًا سياسيًا أكثر منه ضرورة أمنية.
القرار القضائي الذي مهد لبدء عملية الانسحاب لم يكن مفاجئًا بالنسبة للمراقبين، إذ سبقه جدل واسع حول مدى دستورية نشر القوات الفيدرالية في المدن الأميركية دون طلب رسمي من حكام الولايات، وقد اعتبر عدد من القضاة أن خطوة ترمب تخالف مبدأ الفصل بين السلطات وتنتقص من صلاحيات الحكومات المحلية، وهو ما شكّل ضربة قانونية وسياسية لإدارة الرئيس الأميركي.
وبينما غادرت العناصر التي جرى استقدامها من خارج ولايتي أوريغون وإيلينوي، بقيت وحدات محدودة من الحرس الوطني التابع للولايتين داخل حدود المدن، في إشارة إلى محاولة الحفاظ على حد أدنى من الجاهزية الأمنية، إلا أن هذا الوجود المحدود يطرح سؤالًا ملحًا: هل سيكون قادرًا على سد أي فراغ قد ينشأ عن مغادرة القوات الفيدرالية؟
توتر بين الفيدرالية والولايات
تسببت طريقة نشر القوات في بورتلاند وشيكاغو منذ يونيو الماضي في تعميق الانقسام بين إدارة ترمب والسلطات المحلية، حيث أكدت هذه المدن أن القيادة الفيدرالية لم تأخذ في الحسبان الواقع الاجتماعي والسياسي على الأرض. وقد عبّر مسؤولون محليون عن خشيتهم من أن يؤدي هذا الانسحاب المفاجئ إلى إعادة إشعال التوترات بدل تهدئتها.
وبحسب تقارير إعلامية، فإن عناصر الحرس الوطني التي تم نشرها في المدينتين لم تُمنح صلاحيات واسعة للعمل على الأرض، نظرًا لسلسلة من الطعون القانونية التي رفعتها حكومات الولايات ومنظمات حقوقية، وهذا الوضع خلق حالة من “الانتشار المقيّد”، وهو ما جعل وجود هذه القوات رمزيًا أكثر منه عمليًا، لكنه رغم ذلك أثار حساسيات سياسية كبيرة.
وتشير بيانات رسمية إلى أن نحو 200 عنصر بدأوا مغادرة بورتلاند وشيكاغو بشكل متزامن، بينما بقي نحو 300 عنصر من حرس ولاية إيلينوي في شيكاغو، وحوالي 100 من حرس ولاية أوريغون في بورتلاند، وهذا التوزيع الجديد يعكس محاولة لإعادة الأمور إلى طبيعتها المحلية بعد أشهر من تدخل الحكومة الفيدرالية.
وتتزامن خطوة الانسحاب مع استمرار حملات شرطة الهجرة ضد المهاجرين غير النظاميين في عدة مدن، وهو ما يزيد المشهد تعقيدًا ويضع حكومات الولايات في مواجهة مباشرة مع سياسات ترمب المتشددة، وفي الوقت ذاته، يتخوف مراقبون من أن يؤدي أي تنسيق ضعيف بين الجهات الأمنية إلى حدوث ارتباك في إدارة الأزمات على مستوى الشارع.
انعكاسات الانسحاب على الأمن المحلي
رغم أن الحرس الوطني لم ينفذ عمليات واسعة على الأرض خلال الشهور الماضية، إلا أن وجوده لعب دورًا نفسيًا مهمًا لدى بعض شرائح السكان، الذين رأوا فيه عنصرًا إضافيًا للردع، ومع بدء الانسحاب، بدأت مخاوف تتصاعد حول احتمالات ارتفاع معدلات الجريمة، خاصة في الأحياء التي شهدت اضطرابات خلال السنوات الماضية.
ويرى مسؤولون محليون أن أجهزة الشرطة في بورتلاند وشيكاغو مستعدة للتعامل مع أي طارئ، لكنهم يعترفون في الوقت ذاته بأن غياب الدعم الفيدرالي قد يُثقل كاهل هذه الأجهزة، خصوصًا في ظل النقص المزمن في الأفراد والموارد، كما تشير تقارير إلى أن أقسام الشرطة تعمل منذ أشهر فوق طاقتها نتيجة الاحتجاجات والأزمات المتلاحقة.
وفي المقابل، تعتبر منظمات المجتمع المدني أن الانسحاب خطوة في الاتجاه الصحيح، لأنها تُعيد الصلاحيات الأمنية إلى السلطات الطبيعية المختصة، وترى هذه المنظمات أن وجود قوات اتحادية داخل المدن ساهم في زيادة التوترات بدل تخفيفها، وأن معالجة الجريمة يجب أن تتم عبر سياسات اجتماعية واقتصادية طويلة المدى.
ومع تباين الآراء، يبقى السؤال المركزي هو كيفية إدارة الوضع الأمني خلال الأسابيع المقبلة، خاصة مع احتمال حدوث احتجاجات جديدة أو تصاعد حدة الخطاب السياسي مع اقتراب الانتخابات، وهذا الوضع يؤكد أن الانسحاب ليس نهاية القصة، بل بداية فصل جديد أكثر تعقيدًا.
التداعيات السياسية في واشنطن
في واشنطن، أثار قرار الانسحاب موجة من ردود الفعل المتباينة بين الجمهوريين والديمقراطيين. فقد اعتبر أنصار ترمب أن القضاء تجاوز صلاحياته وتدخل في القرارات التنفيذية، بينما رأى الديمقراطيون أن الحكم القضائي أعاد الأمور إلى نصابها الدستوري الصحيح وأوقف ما وصفوه بـ”التسييس المفرط للأمن الداخلي”.
ويأتي هذا السجال في لحظة سياسية حساسة، إذ يسعى ترمب لتعزيز صورته كقائد يحارب الجريمة ويحمي الأميركيين من “الخطر القادم من الخارج”، وفق تعبيره، بينما تتهمه المعارضة باستغلال الأجهزة الأمنية لمهاجمة المدن الديمقراطية وإشعال الانقسامات.
ويعتقد مراقبون أن الانسحاب سيستخدم كورقة انتخابية من الطرفين، حيث سيحاول الجمهوريون الإيحاء بأن القضاء يعرقل سياسات الأمن، بينما سيبرز الديمقراطيون استقلال القضاء وقدرته على كبح السلطة التنفيذية. هذه التجاذبات من المتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة.
أما على مستوى المؤسسات، فإن قرار القيادة الأميركية الشمالية بتعديل حجم الانتشار في عدة مدن يعكس محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الجيش والحكومة الفيدرالية والولايات، وهذا التعديل يفتح الباب لنقاش أوسع حول مستقبل دور الحرس الوطني في إدارة الأزمات الداخلية.
المشهد القانوني بعد الأحكام القضائية
الحكم الفيدرالي الذي قضى بعدم دستورية نشر الحرس الوطني في بورتلاند كان نقطة تحول في الملف، إذ أشار القاضي إلى أن الدستور الأميركي لا يمنح الحكومة الفيدرالية سلطة إرسال قوات إلى المدن دون موافقة حكومات الولايات، وهذا الحكم أسس لنقطة فاصلة في علاقة السلطة التنفيذية بالحكومات المحلية.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد أصدرت محكمة ابتدائية ثم محكمة استئناف أحكامًا مشابهة بشأن شيكاغو، معتبرة أن نشر القوات يتعارض مع القانون والضوابط الدستورية، وهذه الأحكام المتتالية عززت موقف السلطات المحلية ووضعت ترمب في موقع دفاعي قانونيًا وسياسيًا.
ومع رفع القضية إلى المحكمة العليا، يتوقع خبراء قانونيون أن تشهد الأسابيع المقبلة نقاشًا محتدمًا حول حدود السلطة الفيدرالية في استخدام القوات المسلحة داخل الولايات، ويرى البعض أن المحكمة قد تستخدم هذه القضية لإعادة رسم الخطوط الفاصلة بين الحكومة المركزية والولايات.
ووفقًا لمراقبين، فإن هذا المسار القانوني لن ينتهي قريبًا، بل قد يمتد لعدة شهور، خصوصًا أن القرار النهائي للمحكمة العليا ستكون له تداعيات واسعة على مستقبل الحرس الوطني ودوره داخل الأراضي الأميركية.
الانسحاب يحمل مخاطر عالية على الاستقرار
يقول الخبير في شؤون الأمن الداخلي، مايكل هاربر، إن الانسحاب المتزامن من بورتلاند وشيكاغو “يحمل مخاطر أمنية حقيقية”، لأنه يأتي في وقت لا تزال فيه مؤشرات الجريمة مرتفعة، بينما تواجه الشرطة المحلية ضغوطًا تشغيلية كبيرة، ويرى أن وجود الحرس الوطني كان يوفر دعمًا إضافيًا في حال حدوث أي طارئ كبير.
ويضيف هاربر أن التناقض بين السياسات الفيدرالية والولائية يخلق بيئة أمنية مشوشة يمكن أن يستغلها المجرمون أو الجماعات العنيفة، ويؤكد أن نجاح المرحلة المقبلة يتطلب تعزيز التنسيق بين مختلف وكالات إنفاذ القانون لتجنب أي فراغ قد يُترجم إلى اضطرابات على الأرض.
كما يشير الخبير إلى ضرورة رفع جاهزية الشرطة المحلية من خلال توفير المزيد من التدريب والموارد، خاصة أن بعض الأقسام تواجه تراجعًا في عدد أفرادها، ويرى أن هذه الخطوات يجب أن تُنفذ بصورة عاجلة لتفادي أي انهيار محتمل في منظومة الاستجابة للأزمات.
ويختتم هاربر بأن الانسحاب ليس المشكلة في حد ذاته، بل غياب خطة واضحة لإدارة ما بعد الانسحاب. ويحذر من أن أي تأخر في وضع هذه الخطة قد يعيد المدينتين إلى أجواء الفوضى التي شهدتاها في فترات سابقة.
القضاء يضع خطوطًا حمراء لصلاحيات الرئيس
يقول أستاذ القانون الدستوري، جوناثان ميلر، إن الأحكام القضائية التي أوقفت نشر الحرس الوطني “تُعد أقوى إشارة منذ سنوات بأن القضاء الأميركي مستعد لمواجهة السلطة التنفيذية عندما تتجاوز صلاحياتها”، ويرى أن هذه الأحكام تؤكد أن الدستور يمنح الولايات أولوية في إدارة شؤونها الداخلية، وأن تدخل الحكومة الفيدرالية يجب أن يكون محدودًا ومقيدًا بضوابط صارمة.
ويتابع ميلر أن القضية قد تُشكل سابقة قانونية تُعيد تعريف دور الحرس الوطني داخل الولايات، خاصة في ظل تزايد استخدامه خلال السنوات الأخيرة في قضايا لا تتعلق بالكوارث الطبيعية، ويشير إلى أن المحكمة العليا قد تعيد رسم الإطار القانوني لهذه المسألة بشكل كامل.
ويشدد الخبير على أن المعركة القانونية الحالية ليست مجرد خلاف إداري، بل اختبار حقيقي لمبدأ الفصل بين السلطات في النظام الأميركي، ويعتبر أن القرارات الأخيرة تمثل انتصارًا للقانون والدستور، لكنها في الوقت ذاته تفرض تحديات كبيرة على الأمن الداخلي، ما يتطلب حلولًا أكثر توازنًا.
ويختتم ميلر حديثه بالتأكيد على أن الولايات ستستخدم هذه الأحكام لتعزيز صلاحياتها في مواجهة أي تدخل فيدرالي مستقبلي، وهو ما قد يُعيد تشكيل العلاقة بين واشنطن والولايات لسنوات طويلة قادمة.






