تتحرك الدبلوماسية الدولية هذه الأيام بوتيرة غير مسبوقة بحثاً عن صفقة السلام في أوكرانيا، بينما يدفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب باتجاه “اتفاق جاهز تقريباً”، في وقت تبدو كييف مترددة، وموسكو حذرة، وأنقرة تبحث عن دور أكبر، وأوروبا تخشى سلاماً هشاً يعيد إنتاج الأزمة من جديد.
ومع تعدد الوسطاء وتشابك مصالح القوى الدولية، تبدو نافذة التسوية مفتوحة… لكنها شديدة الضيق.
ترمب يعلن اقتراب “الساعة الصفر” للسلام
يقدّم دونالد ترمب نفسه اليوم كمهندس الصفقة النهائية لإنهاء الحرب، معلناً أنه كلف مبعوثه ستيف ويتكوف بالتوجه إلى موسكو لوضع اللمسات الأخيرة على الخطة الأميركية.
ترمب لمح إلى أن “الخلافات المتبقية قليلة”، لكنه ربط لقاءه مع فلاديمير بوتين وزيلينسكي بـ انتهاء المفاوضات أو وصولها لمرحلتها الأخيرة.
هذه لهجة الواثق، لكنها أيضاً لهجة من يريد فرض إيقاعه على الجميع… بما فيهم كييف.
زيلينسكي: انفتاح حذر… ومخاوف من “نقاط حساسة”
الرئيس الأوكراني أبلغ الحلفاء بأن كييف مستعدة للتعاطي مع الإطار الأميركي المقترح، لكنه شدد في الوقت نفسه على وجود نقاط شائكة لا يمكن حسمها إلا عبر نقاش مباشر مع دونالد ترمب. فملف التنازلات الميدانية يظل الأكثر حساسية، إذ يدرك زيلينسكي أن أي خطوة في هذا الاتجاه قد تعيد رسم خريطة الحرب والسيادة معاً. أما الضمانات الأمنية، فهي بالنسبة لأوكرانيا شرط وجودي، إذ تخشى كييف أن يتحول أي اتفاق غير محكم إلى هدنة مؤقتة تمنح موسكو فرصة لإعادة ترتيب قواتها.
ويتصل بذلك مستقبل الجيش الأوكراني، حيث تصر كييف على الحفاظ على قدرة ردع مستقلة، وعدم السماح لأي تسوية بأن تقيد حجم أو نوعية تسليحها. كما تبقى شروط وقف النار محوراً مركزياً في التفاوض، لأنها ستحدد من يملك زمام المبادرة على الأرض في اليوم التالي للاتفاق.
زيلينسكي يدرك أن صياغة هذه الملفات لن تتم داخل كييف وحدها، بل ستتأثر بشكل مباشر بما تقرره واشنطن. فبالنسبة لموسكو، يبقى النفوذ الأميركي العامل الحاسم الذي يحدد سقف التنازلات ومآلات الحرب، ما يجعل اللقاء المقبل – إن تم – أشبه بمحطة تُرسم فيها ملامح المرحلة التالية للصراع بأكملها.
النسخة الجديدة من الخطة الأميركية: مكاسب أوكرانية أم فخ سياسي؟
مصادر فرنسية مطّلعة وصفت النسخة الجديدة من الخطة الأميركية بأنها “أفضل بكثير” من سابقاتها بالنسبة إلى كييف، خصوصاً أنها تمنح أوكرانيا حق الاحتفاظ بجيش ضخم يصل إلى 800 ألف جندي بدلاً من 600 ألف، وتطرح بنوداً أكثر مرونة في ما يتعلق بالضمانات الأمنية. كما تعيد صياغة ملف زابوريجيا عبر وضع المحطة تحت إشراف مباشر للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في محاولة لفصلها عن ساحة الاشتباك السياسي والعسكري.
لكن رغم ذلك، يظل السؤال الحقيقي بلا إجابة: هل تمثل هذه التعديلات مكاسب استراتيجية فعلية لأوكرانيا، أم أنها مجرد تحسينات شكلية تهدف إلى جعل الخطة قابلة للتمرير؟ فالإيقاع السريع الذي تدفع به واشنطن نحو اتفاق قبل نهاية العام يثير شكوكاً حول ما إذا كانت هذه البنود جوهرية بالفعل، أم أنها جزء من هندسة دبلوماسية هدفها إغلاق الملف ولو على حساب بعض التعقيدات المؤجلة.
فرنسا تحذر: لا سلام بلا ضمانات قوية
في خضم موجة التفاؤل التي ترافق الحديث عن اقتراب تسوية، تبدو باريس الأكثر حذراً بين العواصم الغربية. فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحدث عن “فرصة سانحة” لتحقيق تقدم حقيقي، لكنه سارع إلى وضع شرط جوهري: أي سلام لن يكون قابلاً للحياة ما لم يُدعّم بضمانات أمنية صلبة، تتجاوز حدود الوعود والالتزامات السياسية التقليدية.
هذا الموقف يعكس قناعة فرنسية راسخة بأن التجارب السابقة – وعلى رأسها اتفاقات عام 2015 – فشلت لأنها افتقرت إلى آليات إلزامية تردع موسكو وتضمن احترام التسويات. وبالنسبة لباريس، فإن أي اتفاق جديد لا يمكن أن يقوم على حسن النوايا وحده، بل يجب أن يؤسس لبنية أمنية واضحة تُلزم الطرفين وتمنع تكرار سيناريو الانهيار الذي أعاد إشعال الحرب قبل سنوات.
الميدان يشتعل: روسيا تقصف كييف بلا توقف
في الوقت الذي تتكثف فيه التصريحات الدولية حول اقتراب مسار سياسي أو احتمال الوصول إلى تسوية، تبدو الصورة على الأرض أكثر تناقضاً من أي وقت مضى. فروسيا تواصل تصعيدها العسكري باتجاه كييف بوتيرة غير مسبوقة، مستخدمة مزيجاً من الطائرات المسيّرة والصواريخ في سلسلة هجمات لا تمنح العاصمة الأوكرانية أي فرصة لالتقاط الأنفاس. فقد سجّلت القوات الأوكرانية خلال الأيام الأخيرة أكثر من 460 طائرة مسيّرة و22 صاروخاً أُطلقت باتجاه المدينة وضواحيها، ما أسفر عن مقتل سبعة أشخاص وإصابة واحد وعشرين آخرين.
الأخطر من ذلك أن الهجمات باتت تستهدف بشكل مباشر البنية التحتية للطاقة، في محاولة واضحة لإغراق البلاد في العتمة وإضعاف قدرتها على الصمود خلال الشتاء. هذا النوع من الضربات لا يهدف فقط إلى إرباك المؤسسة العسكرية، بل إلى ضرب الروح المعنوية للمدنيين وإثقال كلفة الحرب على الدولة الأوكرانية.
ومع هذا التصعيد، تبرز المفارقة الكبرى: كيف يمكن الحديث عن سلام “وشيك” بينما تتسع رقعة الهجمات بهذا الشكل العدواني؟ المشهد يشير إلى أن لغة النار ما تزال هي التي تتحكم بإيقاع الصراع، وأن الطريق نحو أي اتفاق سياسي سيظل محفوفاً بالشكوك طالما بقيت كييف تحت هذا الضغط العسكري المتواصل.
عقدة زابوريجيا: حجر العثرة الأكبر
تتحول محطة زابوريجيا النووية إلى العقدة الأكثر تعقيداً في مسار التسوية، إذ يؤكد مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن أي اتفاق سلام لن يكتمل ما لم يُحسم وضع هذه المنشأة الحساسة. فالمقترح الأميركي المطروح حالياً يقوم على توزيع إنتاج الكهرباء بين روسيا وأوكرانيا، مع وضع المحطة تحت إشراف دولي يضمن حيادها ومنع استخدامها كورقة ضغط عسكرية أو سياسية.
غير أن الواقع على الأرض يعقّد هذا الطرح إلى حد كبير. فروسيا ما تزال تسيطر فعلياً على الموقع، وتتعامل معه كجزء من مكاسبها الاستراتيجية التي يصعب التراجع عنها دون مقابل سياسي ذي وزن. في المقابل، ترفض أوكرانيا منح موسكو أي امتياز إضافي، وتصر على أن إشراف الوكالة الدولية يجب أن يكون مشفوعاً باستعادة السيطرة الكاملة على المنشأة، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي ومن سيادتها على أراضيها.
وتحذّر الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أن استمرار القتال حول المحطة يبقي المنطقة في حالة “خطر نووي دائم”، وهو خطر قد يتجاوز حدود أوكرانيا ليؤثر على أوروبا بأكملها. ولهذا تبدو زابوريجيا اليوم عنصراً مزدوج الوجه: فهي قادرة على فتح الباب أمام اتفاق سلام إذا تم التوصل إلى صيغة متوازنة، لكنها قد تتحول في الوقت نفسه إلى النقطة التي تنهار عندها المفاوضات إذا بقي الخلاف حولها بلا حلول عملية.






