يبدو أن قرار بنيامين نتنياهو بالمضي قدماً في خطة احتلال غزة، رغم التحفظات الواضحة من قادة الجيش وعلى رأسهم رئيس الأركان إيال زامير، يعكس صراعاً أعمق بين الاعتبارات العسكرية البحتة والحسابات السياسية والشخصية لرئيس الحكومة. فالمعطيات تشير إلى أن فكرة الاحتلال لم تكن وليدة اللحظة، بل جرى إعدادها مسبقاً من قبل العميد إيرز فاينر في عهد رئيس الأركان السابق هيرتسي هليفي، غير أن الأخير رفض تنفيذها لاعتبارات تتعلق بالمخاطر الميدانية وتهديد حياة المحتجزين الإسرائيليين لدى حماس، ما ساهم في تعجيل رحيله من منصبه وتعيين زامير بديلاً عنه.
تكريس هيمنة القيادة السياسية
عند توليه المنصب، أبدى زامير حماسة أولية للخطة وشارك نتنياهو في صياغتها وتطوير تفاصيلها، إلا أن الواقع الميداني سرعان ما أظهر له حجم المخاطر والتحديات، سواء من خلال تقييمات الضباط الميدانيين أو من خلال المعطيات الاستخباراتية. هذه التحذيرات شملت احتمالات كبيرة لخسائر بشرية في صفوف الجيش، وأضرار اقتصادية، وردود فعل سلبية على المستويين الداخلي والدولي. كما أدرك زامير أن الاحتلال الشامل قد يفتقر إلى هدف استراتيجي واضح، مما دفعه إلى اقتراح بديل يقوم على فرض حصار جزئي وقضم تدريجي لمناطق سيطرة حماس، مع الدفع بسكان القطاع نحو الجنوب وتشجيع التهجير، بدلاً من الدخول في احتلال شامل.
إصرار نتنياهو على المضي في خيار الاحتلال، ولو على المستوى الدعائي والرمزي، يشي بأن اعتبارات تثبيت سلطته السياسية وتقديم صورة “القائد الحازم” أمام قواعد اليمين المتطرف لعبت دوراً محورياً. فهو يسعى إلى تكريس هيمنة القيادة السياسية على القرار العسكري، بما يخدم مشروعه الأوسع في إعادة تشكيل منظومة الحكم وتقويض ما يصفه بالدولة العميقة الليبرالية. كما أن الجدول الزمني الذي وضعه الكابنيت — والذي يمنح شهرين للتحضير، تليها عمليات ميدانية لثلاثة أشهر، ثم عامين لإحكام السيطرة — يوفر له فرصة لإطالة أمد بقائه في الحكم وربما تأجيل الانتخابات المقررة في أكتوبر 2026.
ضغوط من الشارع الإسرائيلي
القرار أيضاً يندرج في إطار سياسة إسرائيلية أوسع تقوم على الخداع الحربي والمناورة، وهو ما برز في تعاملها مع أطراف إقليمية كحزب الله وإيران وسوريا. لكن نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد بشكل كبير على توازن ردود الفعل الداخلية والخارجية، خصوصاً في الولايات المتحدة، حيث منح الرئيس دونالد ترامب ضوءاً أخضر مشروطاً لاستهداف حماس، مع التحذير من التسبب في مجاعة بغزة. ومع ذلك، فإن الضغوط من الشارع الإسرائيلي، وخاصة عائلات المحتجزين، إلى جانب التحركات الدبلوماسية العربية والدولية، قد تدفع واشنطن إلى مراجعة موقفها وتحويل الضوء الأخضر إلى أصفر أو أحمر، وهو ما قد يقلب حسابات نتنياهو رأساً على عقب.
يظهر أن خطة احتلال غزة ليست مجرد خيار عسكري، بل هي ورقة سياسية عالية المخاطر، تتقاطع فيها أهداف نتنياهو الشخصية والحزبية مع ديناميات الصراع الميداني وحسابات القوى الإقليمية والدولية. نجاحها أو فشلها سيعتمد على مدى قدرة نتنياهو على التحكم في تداعياتها الداخلية والخارجية، في ظل واقع متغير وضغوط قد لا تمنحه هامش المناورة الذي يطمح إليه.






