في خطوة بارزة على الساحة الاقتصادية الليبية، أعلن مصرف ليبيا المركزي، عن حجز 2877 اعتمادًا مستنديًا بقيمة إجمالية وصلت إلى 2.5 مليار دولار أمريكي، وفق ما ورد على موقعه الرسمي.
القرار أثار موجة من التساؤلات حول أهدافه وتوقيته، وسط تحديات اقتصادية ومعيشية تواجه البلاد، وتقلبات مستمرة في سعر صرف الدينار مقابل العملات الأجنبية.
أرقام تكشف حجم التحرك
وفق البيانات الرسمية، فبلغ عدد الاعتمادات المحجوزة: 2877 اعتمادًا بقيمة إجمالية 2.5 مليار دولار، كما سجلت اعتمادات منفذة في نفس اليوم بعدد 387 اعتمادًا بقيمة 296 مليون دولار.
وتعكس هذه الأرقام نشاطًا ملحوظًا في سوق الاعتمادات المستندية، ما قد يشير إلى رغبة المصرف في تلبية احتياجات الاستيراد وتعزيز تدفق السلع للأسواق المحلية.
ما هو الاعتماد المستندي ولماذا يهم الاقتصاد الليبي؟
الاعتماد المستندي هو أداة مالية تضمن دفع ثمن البضائع المستوردة بمجرد استيفاء شروط معينة في المستندات، ويعد مؤشرًا مهمًا على حركة التجارة الخارجية.
في ليبيا، يعتبر فتح أو حجز هذه الاعتمادات وسيلة مباشرة للتحكم في حجم الواردات، وإدارة احتياطي النقد الأجنبي، وضمان استقرار أسعار الصرف.
تشير بيانات سابقة إلى أن إيرادات ليبيا في 2024 بلغت نحو 123.5 مليار دينار ليبي (حوالي 25.6 مليار دولار)، جاء أكثر من 60% منها من قطاع النفط.
خلال السنوات الأخيرة، اتبع المصرف المركزي سياسات متشددة في فتح الاعتمادات المستندية، بهدف ضبط المعروض النقدي الأجنبي، والحد من المضاربة على الدولار، ومكافحة تهريب العملة.
أبعاد القرار وتوقيته
يأتي هذا الإعلان في وقت حساس، حيث يواجه السوق الليبي ارتفاعًا في أسعار بعض السلع الأساسية، نتيجة لتذبذب إمدادات الاستيراد، وقد تسهم خطوة المصرف في خفض الضغوط السعرية إذا أدت إلى تدفق السلع بشكل أكبر، لكنها في الوقت نفسه تعكس مراقبة دقيقة لحركة النقد الأجنبي لتفادي أي هزات اقتصادية.
التأثير المحتمل على السوق المحلي
يرى خبراء أن فتح هذا العدد الكبير من الاعتمادات قد يدعم استقرار الأسواق خلال الأشهر المقبلة، عبر تعزيز مخزون السلع وخفض احتمالات نقصها، لكن نجاح هذه الخطوة يعتمد على سرعة تنفيذ الاعتمادات ووصول البضائع، إضافة إلى قدرة الحكومة على ضبط الأسواق ومنع المضاربة.
ومن المتوقع أن يكون للقرار أثر مباشر على سعر صرف الدينار، حيث يمكن لزيادة تدفقات الدولار المخصصة للاستيراد أن تحد من الضغط على العملة المحلية.
غير أن هذا التأثير قد يكون قصير المدى إذا لم ترافقه إصلاحات أوسع في السياسة النقدية والمالية.
مخاوف من المخاطر المحتملة
في المقابل، يحذر اقتصاديون من أن التوسع في فتح الاعتمادات دون دراسة دقيقة قد يؤدي إلى استنزاف احتياطي النقد الأجنبي، خاصة في ظل الاعتماد شبه الكامل على عوائد النفط كمصدر رئيسي للدخل، كما أن ضعف الرقابة على بعض العمليات التجارية قد يفتح الباب أمام استغلال هذه الاعتمادات في أنشطة غير إنتاجية.
وقد يُقرأ هذا القرار على أنه بداية لانفتاح أكبر في تمويل الواردات، ما قد ينعكس إيجابًا على الأسواق، لكنه في الوقت ذاته قد يكون خطوة محسوبة بحذر، ضمن إستراتيجية متوازنة بين دعم الاقتصاد والحفاظ على الاستقرار النقدي.
ويبقى السؤال: هل سيستمر المصرف المركزي في هذا النهج خلال الفترة المقبلة، أم أن القرار ظرفي واستثنائي؟
الإجابة ستتضح مع متابعة تأثيره على أسعار السلع، وحجم الواردات، وسعر الصرف في السوق الليبي.






