في تحرك اقتصادي ودبلوماسي واسع النطاق، وقّعت البحرين والولايات المتحدة سلسلة من الاتفاقيات الثنائية الضخمة، تجاوزت قيمتها 17 مليار دولار، وذلك خلال زيارة ولي العهد البحريني الأمير سلمان بن حمد آل خليفة إلى واشنطن، التي انطلقت الثلاثاء. هذه الحزمة غير المسبوقة من الشراكات تأتي في وقت بالغ الحساسية من الناحية الجيوسياسية، وتعكس، وفق مراقبين، تحوّل المنامة إلى ركيزة مركزية في السياسة الأميركية بالشرق الأوسط، ليس فقط بوصفها دولة مضيفة للأسطول الخامس، بل كمحرك ناشط للتعاون الاقتصادي عالي التقنية مع الغرب.
الصفقات التي وُقّعت شملت قطاعات الطيران والتكنولوجيا والصناعة والطاقة والاتصالات، لتضع البحرين ضمن حلقة القوى الاقتصادية الصاعدة في الخليج، مستفيدة من العلاقة الاستراتيجية الطويلة مع الولايات المتحدة، والسياق الإقليمي المتغير بعد سنوات من التحولات الجيوسياسية الحادة.
صفقات الطيران: “طيران الخليج” تدخل عهدًا جديدًا مع بوينغ
أبرز الاتفاقيات كانت تلك التي رعتها شركات أميركية كبرى مثل “بوينغ” و”جنرال إلكتريك”، والتي ستزوّد بموجبها شركة “طيران الخليج” بـ12 طائرة جديدة، مع خيار شراء 6 طائرات إضافية، في صفقة تبلغ قيمتها قرابة 7 مليارات دولار. إلى جانب ذلك، تشمل الصفقة بيع 40 محركًا من شركة “جنرال إلكتريك”، في خطوة تهدف إلى تحديث أسطول النقل الجوي البحريني، وربطه مباشرة بالتكنولوجيا الأميركية الأكثر تطورًا.
بحسب مسؤول في البيت الأبيض، فإن هذه الصفقة وحدها ستدعم نحو 30 ألف وظيفة في الولايات المتحدة، وقد جاءت بوساطة مباشرة من إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب ووزير التجارة هوارد لوتنيك، في استكمال غير معلن لاتفاقيات استثمارية ضخمة وُقعت أثناء زيارة ترامب للرياض في 2017، والتي شملت تعهدًا سعوديًا باستثمارات تتجاوز 600 مليار دولار.
رقمنة الدولة: الخروج من العباءة الصينية والتوجه نحو “سيسكو”
إحدى الزوايا اللافتة في الاتفاقيات الجديدة تمثلت في الشق التكنولوجي، حيث وقعت البحرين مذكرات تفاهم مع “أوراكل” و”سيسكو”، لتوسيع البنية التحتية الرقمية في البلاد، مع نية لاستبدال الخوادم الصينية بمنتجات أميركية بالكامل. وتم الإعلان عن مشروع طموح لإنشاء كابل ألياف ضوئية بحري بطول 800 كيلومتر، سيربط البحرين بالسعودية والكويت والعراق، ويمتد إلى الشبكات العالمية، ما يُشكل تطورًا نوعيًا في استقلالية البنية التحتية المعلوماتية للمنطقة.
شركة “سيسكو سيستمز” ستتولى كذلك تزويد الحكومة البحرينية بحلول تقنية متقدمة لشبكات الاتصالات الرسمية، وهو ما يُنظر إليه كمؤشر واضح على نية البحرين خفض الاعتماد على شركاء تقنيين من خارج دائرة الحلفاء الغربيين، خاصة في ظل اشتداد التوترات العالمية حول أمن البيانات.
صناعة الألمنيوم والغاز والذكاء الاصطناعي: استثمار في العمق الأميركي
الاتفاقيات لم تقتصر على القطاع المدني فقط، بل شملت استثمارات استراتيجية في الصناعات الثقيلة والطاقة. ولي العهد البحريني أعلن التزام بلاده بضخ مليارات الدولارات لزيادة إنتاج الألمنيوم في الولايات المتحدة، واستثمار مباشر في مشاريع الغاز الطبيعي المسال، مع نية تأمين رقائق الذكاء الاصطناعي عبر شراكات مع شركات تكنولوجية أميركية رائدة.
كما أشارت مصادر رسمية إلى مذكرة تفاهم تمهّد الطريق أمام البحرين لتطوير قدرات نووية تجارية، ضمن إطار تفاوضي طويل المدى يُفترض أن يستكمله العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة خلال زيارة مرتقبة إلى واشنطن في وقت لاحق من هذا العام.
رأس المال البحريني يذهب غربًا: صناديق سيادية وخطط طويلة الأمد
إلى جانب الاتفاقيات الحكومية، أعلنت مؤسسات مالية بحرينية وخاصة عن خطط لاستثمار ما مجموعه 10.7 مليار دولار في الولايات المتحدة. ووقّع “صندوق ممتلكات البحرين القابضة” اتفاقيات بقيمة ملياري دولار مع عدد من الشركات الأميركية، بهدف خلق وظائف أميركية في قطاعات الصناعات التحويلية، لا سيما تلك المرتبطة بالألمنيوم.
هذه الاستثمارات تعكس سعي المنامة لتعميق العلاقات الاقتصادية في العمق الأميركي، لا باعتبارها شريكًا عسكريًا فقط، بل كمستثمر استراتيجي في الاقتصاد الحقيقي، وهو ما يُعزز صورة البحرين كدولة خليجية ذات سياسة خارجية براغماتية وطموحة.
من الاقتصاد إلى الجغرافيا السياسية: إعادة تثبيت الموقع البحريني
التحرك البحريني في واشنطن ليس مجرد سلسلة من الصفقات، بل تعبير واضح عن رغبة المنامة في إعادة تثبيت موقعها كلاعب إقليمي فاعل، وممر جيوسياسي واقتصادي حيوي في توازنات الخليج. فالبحرين لا تزال تحتفظ بأهمية استراتيجية عالية لواشنطن، كونها تستضيف الأسطول الخامس ومقر القيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية، وهي بذلك تشكل “رأس جسر” سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا في وقت تتزايد فيه التحديات في مضيق هرمز واليمن وشرق المتوسط.
الاتفاقيات الأخيرة لا تعكس فقط انفتاحًا اقتصاديًا، بل أيضًا اصطفافًا دقيقًا في السياسة الدولية، يضع المنامة في موقع متقدم ضمن التحالفات الغربية، مع تركيز واضح على فك الارتباط التقني والاقتصادي عن القوى المنافسة للولايات المتحدة.





