استأنف العراق تعاوناً ثنائياً مباشراً مع الولايات المتحدة لمواجهة فلول تنظيم «داعش»، في خطوة وُصفت بأنها تحول استراتيجي نحو مرحلة ما بعد التحالف الدولي.
وأكد مستشار رئيس الوزراء، حسين علاوي، أن «الحكومة العراقية تعمل على تعزيز الأمن الداخلي ومطاردة فلول (داعش) في الصحارى والجبال والمناطق الزراعية»، موضحاً أن التحالف الدولي يوشك على إنهاء مهامه، فيما يجري التحول إلى تعاون ثنائي أكثر مرونة يركز على التدريب والتأهيل وتبادل المعلومات الاستخبارية.
إنزال جوي في الحويجة
وفي سياق هذا التعاون، نفذت قوة عراقية خاصة، بمساندة مباشرة من قوات التحالف، عملية إنزال جوي في قرية الحلوات بقضاء الحويجة جنوب غربي كركوك.
العملية، التي استخدمت فيها أربع مروحيات، أسفرت عن اعتقال قيادي بارز في التنظيم مع أحد مرافقيه. وأوضحت مصادر أمنية أن العملية تأتي في إطار حملة أوسع لتعقب الخلايا النائمة في المناطق الوعرة، التي ما زالت تستغل الطبيعة الجغرافية المعقدة لإعادة تنظيم صفوفها.
التنسيق العراقي – الأميركي لم يقتصر على الجانب الأمني، بل امتد إلى المجالين السياسي والاقتصادي. فقد عقد وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين اجتماعاً مع القائم بالأعمال الأميركي في بغداد، جوشوا هاريس، جرى خلاله بحث تطوير التعاون الأمني، إلى جانب مناقشة قضايا مالية ونفطية عالقة مع إقليم كردستان.
وذكر بيان الخارجية العراقية أن «اللقاء شدد على أهمية العلاقات الثنائية، وتهيئة بيئة عمل مناسبة للشركات الأميركية»، في إشارة واضحة إلى أن الحكومة تربط بين الاستقرار الأمني وتشجيع الاستثمارات الأجنبية.
«داعش» بعد الهزيمة.. خطر يتحرك في الظل
رغم إعلان النصر على التنظيم في 2017، فإن خلاياه النائمة لا تزال تتحرك في بعض المناطق، خصوصاً في الحويجة والوديان الواقعة بين كركوك وصلاح الدين.
هذه الخلايا تعتمد أسلوب الكمائن وزراعة العبوات الناسفة، في محاولة للحفاظ على وجودها، مستفيدة من الفراغات الأمنية بين المناطق المتنازع عليها.
ويرى خبراء أن المعركة مع «داعش» تحولت من حرب مفتوحة إلى مواجهة استخباراتية طويلة الأمد، تستدعي تطوير أدوات أمنية وتقنية متقدمة.
التكنولوجيا تدخل ساحة المواجهة
في هذا السياق، أعلن الفريق سعد معن، رئيس خلية الإعلام الأمني، أن القوات العراقية باتت تعتمد على الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة وأنظمة الرصد المبكر في تعقب النشاطات الإرهابية.
وأكد أن «هذه التقنيات أسهمت في رفع مستوى الجاهزية العسكرية، ومكّنت من تنفيذ عمليات استباقية دقيقة، فضلاً عن إحكام السيطرة على الحدود».
ووفقا لخبراء، فإن الانتقال من صيغة التحالف الدولي إلى التعاون الثنائي يعكس رغبة العراق في استعادة قراره السيادي، وفي الوقت نفسه الحفاظ على دعم واشنطن في الجوانب الفنية واللوجستية. هذا التوازن بين الاستقلالية والانفتاح الدولي يمثل خطوة دقيقة في رسم مستقبل الأمن العراقي.
وذكر المحللون أن العمليات الأخيرة في كركوك تعكس تطور قدرات القوات الخاصة العراقية، لكنها في الوقت ذاته تشكل اختباراً لمدى قدرتها على العمل منفردة في حال الانسحاب الكامل للتحالف، كما أن نجاح هذه العمليات سيعزز الثقة الشعبية بقدرة الجيش، فيما قد يكشف أي إخفاق عن هشاشة الوضع الأمني.
وأوضحوا أن ملاحقة خلايا «داعش» لا تقتصر على الداخل العراقي، بل ترتبط بالحدود المفتوحة مع سوريا. التعاون مع واشنطن قد يسهم في سد هذه الثغرة عبر المراقبة الجوية والاستخبارية، ما يحول دون عودة التنظيم للتنقل عبر المناطق الحدودية الوعرة.
وشدد الخبراء على أن الربط بين ملفات الأمن والاستثمار ليس أمراً عرضياً؛ إذ ترى الحكومة العراقية أن أي فراغ أمني سيؤدي إلى هروب الاستثمارات الأجنبية. لذلك، فإن تعزيز التعاون مع واشنطن في قطاعي الطاقة والنفط يندرج ضمن مقاربة شاملة تجعل الأمن والتنمية ركيزتين متلازمتين.
كما أن التحول إلى تعاون ثنائي يفتح الباب أمام نموذج جديد من الشراكة قد يمتد إلى ما بعد مكافحة الإرهاب، لذلك توقع المحللون أن يشمل التعاون ملفات التدريب العسكري، ومكافحة الفساد، وحتى تحديث البنية التحتية الأمنية، وهذا يعني أن العلاقة العراقية – الأميركية مقبلة على إعادة صياغة قد تعيد رسم ملامح الوجود الأميركي في المنطقة.






